الكاتب : أيمن الخميسي
ليس شيء أكثر إثارة للرأي العام في المجتمعات من الإعلام، ومن أهم محطات الإعلام عند العرب هم الشعراء.
للشعر والشعراء تأثير عجيب في تلك الأزمنة، ففيه تحبك الدراما والقصص بجميع أنواعها وفنونها، فبيت من الشعر يرفع شأن قبيلة، وبيت آخر يضعها !
ومن الأخبار المسطرة في كتب الأدب العربي أن قبيلة اسمها بنو نُمير كانت ذا مكانة عالية عند العرب مستغنية بنفسها عن كل حلف، وإذا انتسب أحدهم إلى قبيلته فخّم الراء في كلمة (نُمير) مفتخراً بالإنتماء إليها!
في إحدى الأيام كان الفرزدق وجرير في إحدى ميادين الهجاء يتهاجيان كعادتهم التي دامت بينهما نصف قرن، فدخل بينهما الشاعر عبيد بن حصين الراعي النميري وكان من فطاحلة الشعراء - سُمِّي الراعي لكثرة ذكره الإبل في شعره- مؤيدا للفرزدق، فقال فيه جرير قصيدة يهجوه فيها لتدخله بينه وبين الفرزدق ومن أبياتها :-
فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ
فَلا كَعباً بَلَغتَ وَلا كِلابا
فلم يرفعوا بعد ذلك رأساً، حتى كانوا لا يتسمون بهذا اللقب، فإذا قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامريّ نسبة إلى جدهم الأكبر!
ومن تلك الأخبار أيضاً، كانت قبيلة تُعيّر ببني أنف الناقة، ويخجل الرجل إذا انتسب إلى قبيلته، وسبب تسميتهم بذلك أن أباهم نحر جزورا وقسمَّ اللحم فجاء أحد أبنائه واسمه حنظلة وقد فرغ اللحم و بقي الرأس، وكان صبيا فجعل يجره؛ فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنف الناقة. فلُقب به وأصبح لقباً لذريته من بعده !
وقد سمع الحطيئة بقصتهم فقال فيهم :-
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
ومن يسويَّ بأنف الناقة الذنبا
فمن بعد شعره أصبح الواحد منهم يفتخر أن يتسمى بهذا اللقب!!
وأختتم المقالة بهذه القصة اللطيفة التي حدثت في الجاهلية للمحلَّق الكلابي كان رجلاً فقيراً معدماً لا حسب له ولا نسب، ولا يملك غير ناقة وبردين ورثهما من أبيه، وعنده ثلاث بنات لم يتزوجنّ!
فنزل الأعشى إلى ماءٍ في طريقهِ، يسكنه المحلّق، فقالت له عمته هذه فرصتك، فإن الأعشى إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فأكرمه وانحر له ناقتك وأعطه بُرديك وزِقّ خمر، ووالله لو إِعْتَلَجتْ في كبدهِ الكبد والسنام والخمر ليقولنّ فيك شعراً يرفعك به!
فلمّا وصل رسول المحلّق إلى الأعشى وأخبره أنها من المحلّق، فقال له الأعشى قل للمحلّق وصل إلينا عطائك وسيصلك ثناؤنا!
فمدحه بقصيدة شاعت وذاعت في آفاق الجزيرة العربية، ولم تأتِ السنة التي بعدها إلا وتزوج كل بناته بمائة ناقة لكل واحدة منهنّ، وأصبح من أشراف العرب وأغنيائهم!
ومطلع القصيدة :-
أَرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ
وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ مَعشَقُ
إلى قوله :-
طَويلُ اليَدَينِ رَهطُهُ غَيرُ ثِنيَةٍ
أَشَمُّ كَريمٌ جارُهُ لا يُرَهَّقُ
فكان الشعرُ مؤثراً في حياة العرب الاجتماعية والسياسة بمثابة قنوات الإعلام في هذا العصر، يقلبُّ الموازين في يوم وليلة !!



التعليقات 2
2 pings
علي الشراري
31/10/2022 في 6:40 م[3] رابط التعليق
كلمات جميله ومقال مميز جاء في الصميم سلمت اناملك
Hani
01/11/2022 في 12:05 ص[3] رابط التعليق
كلمات جميله ذات معنى بليغ