توفي يوم أمس الأثنين الأستاذ القدير ومعلم اللغة الإنجليزية محمد طالع آل فهده، رحمه الله رحمة الأبرار، وجمعنا به في جنات النعيم.
لقد عرفت هذا الرجل منذ أن كنا طلابًا في المرحلة المتوسطة، هو ومجموعة من الزملاء من بلدة "لتين" تلك البلدة الجميلة الحالمة، وكانوا حينها طلابًا في المرحلة الثانوية.
ما كان يميّز محمد آل فهده، رحمه الله، هو شغفه باللغة الإنجليزية منذ مراحل مبكرة، في وقتٍ كان من النادر أن تجد من يُجيد الحروف الإنجليزية، فضلاً عن القراءة أو الكتابة، سواء من طلاب المتوسطة أو زملائه في الثانوية.
كان يُعد له الأستاذ "كلمة الصباح" أو يُعدها هو بنفسه من كتابٍ أو مصدر آخر، ثم يأتي إلى الإذاعة المدرسية الصباحية ليُلقيها أمام المعلمين والطلاب، فكنا نتعجب من تمكّنه من اللغة، ويشنّف آذاننا بأسلوبه الرائع، متلهفين لمعرفة ولو شيءٍ قليل مما يقول هذا الطالب النابغ، الذي تفرّد بمهارة إتقان اللغة الإنجليزية، رغم شُحّ المصادر في ذلك الوقت، حيث لم يكن هناك مصدر لتعلّم اللغة غير المعلّم والكتاب المدرسي، فلم تكن هناك أجهزة حديثة، ولا برامج يمكن الاستفادة منها.
لكن الله وهبه هذه الموهبة، فحصل على شهادة الثانوية، ثم التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود – فرع أبها، ليدرس التخصص الذي أحبه، ويبدع فيه أيّما إبداع، حتى حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية بين عامي 1412هـ و1413هـ.
وبسبب قوة تمكّنه من اللغة، عمل بعد دراسته الجامعية مترجمًا في أحد المستشفيات الكبيرة بالمنطقة، وقد رأيت بعضًا من التقارير التي ترجمها من العربية إلى الإنجليزية والعكس، وشهادات الشكر والتقدير من ذلك المستشفى.
ثم التحق بعد ذلك بسلك التعليم، فأجاد وأفاد، وتدرّج في مراحله المختلفة من الثانوي، إلى المتوسط، إلى الابتدائي، حتى تقاعد بعد أن قضى في التعليم قرابة 27 سنة.
قابلته قبل أسبوع من وفاته في إحدى المناسبات، وعندما جلست بجانبه، فاجأني بسؤاله: "كيف أصبحت لغتك بعد التقاعد؟"، فقلت له: لم يعد معي منها إلا القليل، لأنها لم تكن موهبتي كما هو الحال معك، يا صديقي. فأخرج جواله من جيبه وقال: "معك هذا، فلا تُضَيّع منك اللغة الإنجليزية". فقلت له: صدقت، ولكننا ضيّعنا أوقاتنا على برامج أخرى، وليتنا أضعناها فيما ينفع من دين، أو لغة، أو تطوير مهارة.
أدركت مما قاله – رحمه الله – أن الكتاب لم يعد وحده مصدر المعرفة، بل أصبح الهاتف المحمول بديلاً لمن وُفّق واستفاد منه، رحم الله صديقي وزميل التخصص الأستاذ محمد طالع آل فهده، وجمعني به في مستقر رحمته، إن ربي سميع الدعاء.


