في يومٍ من أيام الصفو والبهجة والفرح والسرور قالت لي صغيرتي المُدَلله ( إحسان ) ببراءةٍ تشبه الندى- بابا - خُذنا إلى الحديقة فالنهارُ إجازة والعصافيرُ تُغنّي للسعادة..فابتسمتُ من جمال منطوقها وقلت حسنًا يا صغيرتي وخُذي أخاك حسان معكِ فاليوم يومُ سرورٍ وراحة.
وانطلقنا والنسيمُ يداعب وجوههم وضحكاتهم تتراقص كحبات المطر على زجاج الفجر وحين وصلنا إلى الحديقة الكبرى في محافظه صبيا ركضوا كالفراشات بين الزهر
تغمرهم فرحة الطفولة وبساطة اللحظة ونقاء السريرة…
وبينما كنتُ أمشي في الممشى الجديد أنصتُ لهمس الطبيعة وهدوء المساء، إذ بي ألمح وجهًا مألوفًا بين العابرين … صديقًا عزيزًا غاب طويلاً وحضر فجأةً كالفجر بعد طول غياب، تلاقينا بابتسامةٍ تسبق الكلمة وعناقٍ يختصر الحكاية ومشينا معًا على إيقاع خطواتنا نتجاذب أطراف الحديث، فانساب بنا الكلام إلى المروءة وحسن الظن وقلوب الناس بين الوفاء والجفاء لاحظت عليه التذمر من بعض الأصدقاء.
قال لي صاحبي بصوتٍ يحمل حنين السنين،
يا صديقي المروءة اليوم عملةٌ نادرة تُشترى بالقلوب بالنقود ومن الناس من يُحسن الظنّ فتخذله الظنون ومنهم من يُسيء فيكسب خسارة نفسه قبل غيره، فأجبته والنسيمُ يمرّ بيننا كأنّه شاهدٌ على الحديث المروءة يا صاحبي العزيز أن تبقى وفيًّا وإن غابوا ….صادقًا وإن كذبوا ….نقيًّا وإن تلطّخ العالم حولك….وأن لا تدع من أحسن الظنّ بك يشقى بحسن ظنّه فإن خذلان الواثق جريمةُ روحٍ لا تُغتفر.
ابتسم صاحبي وقال صدقت ابا حسن فالمروءة لا تُعلَّم في المدارس بل تُورث من القلوب النبيلة، ثم مضينا نمشي نُصغي إلى ضحكات الأطفال من حولنا و التي تُذكّرنا أن الصفاء ممكن وأن النقاء لا يزال حيًّا في وجه الحياة مهما تعكّر حولنا الزمان
وهكذا في تلك الحديقة بين ضحكة طفلٍ وحديث صديق تذكرت قصه سابقه ذكرها لي أحد كبار السن حفظه الله فقد بلغ من الكبر عتياً، فسمعته يقول تلك القصه ونقلتها لصديقي وهي انه في زمنٍ لا يختلف كثيرًا عن زماننا كان هناك رجلٌ عُرف بطيب الخُلق وحُسن السيرة ونقاء السريرة كان الناس يذكرونه بالخير ويركنون إلى وعده إذا وعد ويطمئنون لقلبه إذا حضر، حتى قالوا عنه ذاك رجلٌ إذا وثقت به نمت قرير العين وإن استودعته سرًّا اطمأنّ قلبك أن السرّ في صدره لا في صدرك…
ومضت الأيام فابتُلي كما يُبتلى الناس ووقعت في يده أمانات قلوبٍ أحسنت به الظنّ، فخان لحظةً أو غفل ساعةً فسقطت هيبته وانكسر في أعينهم كسرةً لا تُجبر…
فمن خذل ظنًّا جميلاً كمن كسر مرآةً عكست أجمل صورته… لا تُصلحها الأعذار مهما لُمّعت!
فيا صديقي كم في واقعنا من أشباه هذا الرجل!!!
كم من صديقٍ كان يُؤتمن على الحر فخان الكلمة حين غضب، وكم من قريبٍ كان يُذكر في المجالس بالخيرً فغدر بأهله حين اشتدت المصلحة! وكم من موظفٍ نال الثقة فاستغلها لغير ما أُعطي من أجله!إنهم جميعًا لم يخونوا الناس فقط بل خانوا مروءتهم التي هي زينة الإنسان وميزانه بين الخلق.
المروءةُ يا صديقي الوفي ليست عباءةً تُلبس وقت الرخاء وتُخلع عند الضيق، بل هي جِذرٌ في النفس ودمٌ في العروق وعهدٌ لا يُنقَض ولو تبدّل الزمان والناس…
هي أن تحفظ للناس ظنّهم الجميل ب فلا تجعلهم يعضّون أصابع الندم قائلين ظننّاه وفيًّا فخاب الظنّ!!؟؟
لقد قال أحد الحكماء..
إذا أحسن الناس بك الظنّ فإياك أن تخذله فإن خذلان الطيبين شرٌّ من ألف عداوة، وأعلم أن القلوب تُبنى على الثقة كما تُبنى البيوت على الأساس فإن تصدّعت الثقة… انهار كلّ ما بُني فوقها.
ومن المروءة أن تظلّ كما رآك الناس أول مرة: صادقًا في وعدك ..نقيًّا في نيتك ..جميلًا في ردّك …لا تتبدّل بريح المصلحة …ولا تنحرف بموج الهوى…
تأمل يا صديقي..
حين يُحسن أحدهم الظنّ بك فإنه يراك بنور قلبه لا بعدسة عينه، فلا تُطفئ ذلك النور بخذلانٍ عابر أو بجفاءٍ قاس أو بلسانٍ يجرح من وثق بك.
فالمروءة في جوهرها أن تكون كما يراك الناس في غيابك، بل أجمل مما كنت في حضورك، أن تحفظ الأسرار وتردّ الغيبة وتغفر الزلّة وتُبقي الجميل جميلًا وإن تغيّر الزمان بأهله.
فمن المروءة..ألا تدع من أحسن الظنّ بك يشقى بحسن ظنّه، ومن الكرامة… أن تُثبت أن ظنّه لم يكن وهما بل كان معرفةً بجميل جوهرك.
تعلّمنا منذ الصغر أن المروءة ليست خُلقًا يُقال بل سلوكٌ يُرى وأن أجمل ما في الإنسان أن يكون سبب طمأنينةٍ لا سبب خيبة، واخيرا أقولها نصيحه محب
من المروءة ألا تدع من أحسن الظنّ بك يشقى بحسن ظنه.


