ليلة البارحة وأنا أسير على شاطئ قوز الجعافرة حيث يهمس البحر وتصفو الخواطر قابلت أحد الأصدقاء القدامى… صديقًا أخرجته الأيام من ذاكرة الغياب إلى دفء اللقاء
فجلسنا على جانب الحديقة نحتسي الشاي لا عطشًا له بل شوقًا للحديث ونتجاذب أطراف الكلام كما تتجاذب الأمواج شاطئها، كان الشاي بسيطًا، لكن الطعم كان حنينًا وكان الحديث عابرًا لكنه عميقٌ كالبحر ضحكات تتخلل الصمت وذكرياتٌ تسبق الكلمات، وساعات تمر خفيفة كأن الزمن احترم جلستنا فخفف خطاه، تحت سماء هادئة ونسمات مالحة أدركنا أن بعض اللقاءات لا تخطط بل تهدى وأن الصداقة القديمة لا يبهت لونها مهما طال البعد، وأن كوب شاي مع قلبٍ صادق… أجمل من ألف مائدة صاخبة
فتجاذبنا أطراف الحديث بين الماضي والحاضر في عصرٍ تسارعت فيه الخطى وتبدلت فيه المقاييس عصر لمع فيه البريق حتى أعمى البصائر وأصبحت فيه القيم تقاس بالأرقام والمؤشرات لا بالمبادئ وبالمظاهر لا بالمعاني… نقف اليوم على مفترق طرق نتأمل حاضرا صاخبا ونستدعي ماضيا جميلا كان فيه الاتزان عنوانًا والاعتدال سلوكًا والقناعة كنزًا لا يفنى
كان الأمس بسيطًا عظيمًا تبنى البيوت على المودة قبل الإسمنت وتعقد الزيجات على القلوب قبل القاعات وكانت البركة تسكن القليل لأن النية كانت صافية والميزان مستقيمًا لا إفراط فيه ولا تفريط
أما اليوم فقد انقلبت الموازين واختلت المعايير، حتى أصبحت لوحة السيارة أغلى من السيارة وقطعة الأرض أرفع ثمنًا من بناء المنزل وكماليات الزواج أثقل كلفة من قيمة المهر، وخدمة التوصيل أغلى من الوجبة نفسها، ترفٌ يتضخم ومظاهر تتغوّل وأساسيّات تهمل وكماليات تُقدَّس.
صرنا نلهث خلف القشور ونغفل عن الجذور، نشتري الاسم قبل القيمة والمظهر قبل الجوهر والضجيج قبل الطمأنينة أصبح الاستعراض أسلوب حياة والتفاخر ثقافة مجتمع وكأن البساطة عيب والقناعة نقص والاعتدال تخلّف!
وهنا الخطر… هنا الانحدار… هنا ندرك – متأخرين – أننا نسير في المسار الخاطئ.
نحن قدوتنا محمد بن عبدالله صل الله عليه وسلم و ديننا الحنيف نهانا عن سفاسف الأمور ووجّهنا إلى الوسطية وحثّنا على الحكمة وربّى فينا ميزان العدل بين الحاجة والرغبة وبين الضرورة والكمال قال لنا: لا إسراف ولا تبذير لا تكلف ولا مباهاة بل عقل يزن وقلب يقنع ونفس تعرف قدرها.
فلنعد إلى جوهر الأشياء قبل أن نغرق في زيفها ولنستعد رشدنا قبل أن تبتلعنا المظاهر ولنجعل الكماليات خادمة لا سيدة والمال وسيلة لا غاية ولنحيِ فينا جمال الأمس بعقل اليوم قبل أن نصحو على واقع باهظ الثمن… فقير المعنى….


