لم يعد مقبولًا أن يُنظر إلى السيل في جيزان بوصفه حدثًا طارئًا يُصرف بأسرع طريق إلى البحر، الحقيقة العلمية تقول إن كل متر مكعب من مياه السيول يمكن أن يتحول إلى رصيد مائي طويل الأمد إذا أُحسن التعامل معه وأن مصير هذا الماء تحدده قبل كل شيء طبيعة الأرض التي يمر عليها.
جيزان ليست كتلة جيولوجية واحدة بل فضاءان متباينان يؤثران بوضوح في سلوك الماء، تهامة الساحلية من جهة، والجبال والحرّات البازلتية من جهة أخرى. في تهامة السهل الساحلي الغربي مكوَّن في معظمه من رمال وغِرْين وطمي تراكمت عبر آلاف السنين.
هذه المواد مسامية بطبيعتها تسمح للماء بالتسلل عموديًا إلى باطن الأرض بدل الجريان السطحي السريع. وتشير دراسات ميدانية على السهل التهامي الجنوبي إلى أن منسوب المياه الجوفية قد يوجد على أعماق تقارب ٩-٣٣ مترًا فقط من سطح الأرض. لهذا تكون مهددة بالنضوب في حالة عدم الاهتمام بتغذيتها..
هذا يعني أن حبس السيل ولو لفترة قصيرة على الأرض يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ماء في الآبار، بينما توجيهه مباشرة إلى البحر يعني عمليًا تفريغ الخزان الجوفي بدل تغذيته.
أما في الجبال والحرّات البازلتية شرقًا حيث تسود الصخور النارية والبازلتية. هذه الصخور ليست إسفنجًا كالرمال لكنها تحتوي على شبكات من الشقوق والصدوع تعمل كقنوات طبيعية للماء. لذلك لا ينتشر الماء هناك بالتساوي بل يسير في مسارات محددة. ومن هنا تأتي الأهمية الحاسمة لموقع العقم أو السد الصغير فإذا وُضع عند تقاطعات الشعاب أو فوق مناطق متشققة كان أثره كبيرًا وإذا وُضع بعيدًا عنها ظل أثره محدودًا المياه الجوفية لا تتحرك بسرعة إنها تزحف ببطء لكنها تتحرك بثبات،
في تهامة تميل حركة الماء عمومًا نحو الغرب والجنوب الغربي باتجاه البحر بميل لطيف جدًا لكنه مستمر. وعمليًا قد تقطع المياه الجوفية عشرات إلى مئات الأمتار في السنة داخل الطبقات الرملية بينما في الصخور المتشققة قد تكون سريعة جدًا داخل كسر مفتوح أو شبه ساكنة خارجه، "النتيجة الواضحة من يدير السيول اليوم يحصد ماء الغد.
وباختصار دقيق، تهامة خزان رسوبي قابل للتغذية إذا أُبطئ الجريان بينما الجبال خزان متشقق يعتمد نجاح التغذية فيه على دقة اختيار المواقع. ورغم هذا الفهم فإننا نكرر في كل موسم أمطار نفس الأخطاء، نسرّع تصريف المياه نحو البحر، ونقلل فرص التغذية الجوفية، ثم نشتكي من شح الآبار، وارتفاع الملوحة، وتراجع الإنتاج الزراعي. وهذا ليس قدرًا محتومًا، بل خيار قابل للتصحيح.
من هنا تتضح أهمية العقوم الترابية والسدود الصغيرة والمدرجات الجبلية بوصفها ضرورة تنموية لا ترفًا. فالعقوم والسدود الصغيرة ليست عائقًا أمام السلامة إذا أُديرت بعقل هندسي
إنها أدوات لإبطاء السيل ومفاتيح لتغذية المياه الجوفية وحماية طبيعية من الانجراف والتعرية وضمانة لزراعة بعلية أكثر استقرارًا في تهامة.
وبالمنطق نفسه، فإن المدرجات الزراعية في أعالي الجبال ليست مجرد إرث تراثي بل منظومة مائية حيّة فهي تُبطّئ جريان الماء وتزيد زمن تشرّبه في التربة وتغذّي العيون والغيول أسفل الأودية وتمنع انجراف التربة الخصبة إلى البحر.
وبذلك تشكّل العقوم والسدود الصغيرة والمدرجات معًا (سلسلة حصاد للمياه) تمتد من قمة الجبل حتى سهل تهامة وكل حلقة فيها تدعم الأخرى.
"الرسالة الأساسية"
جيزان لا تعاني قلة مطر بقدر ما تعاني ضعف إدارة له. وإذا استمررنا في قيادة السيول إلى البحر دون حصاد منظّم، فنحن من نصنع ندرة الماء بأيدينا.والمطلوب اليوم ليس المنع المطلق ولا الإطلاق العشوائي بل إدارة علمية محلية للعقوم والسدود الصغيرة والمدرجات تراعي سلامة الناس وتُعظّم المخزون المائي في الوقت نفسه حفاظًا على الزراعة والمياه وحق الأجيال القادمة.


