بين الحقول حكاية زهرة لا تشبه إلا نفسها .. خرجتُ ذات صباحٍ إلى بستان تتكئ فيه الشمس على أكتاف الأغصان، وتتوضأ فيه الأرض بندى الفجر
بستان يتوزع إلى حقول عدة وفي كل حقل خمسون زهرة، خمسون لونا يتجاور وخمسون عطرا يتعانق وخمسون هيئة تتشابه حتى يكاد البصر يظنها نسخةً واحدة سرت بين الصفوف أعدّ الجمال عدا وأحصي الألوان إحصاءً، فإذا بالمشهد مهيب والكثرة مدهشة والتناغم فاتن غير أنّ الروح وإن أُغرمت بالجماعة تبحث عن العلامة والقلب وإن أُعجب بالكثرة يفتّش عن الفرادة…
وفي أحد الحقول لمحت زهرة ليست أطولهن ساقًا ولا أوسعهن بتلة لكنها كانت أرسخهن حضورا وأصدقهن إشراقًا وأفوحهن عبيرًا، لم تكن ترفع رأسها تكبرًا، ولا تتمايل تيهًا لكنها كانت تقف بثبات الواثق وسكينة العارف ووقار الجميل
أقتربت منها وأمعنت النظر فإذا عطرها لا يُستنشق فحسب، بل يُستشعر عطر يلامس الذاكرة قبل الأنف ويوقظ في القلب شيئًا يشبه الحنين إلى أرض طيبة لم تطأها قدمك من قبل نظرتُ إلى تربتها فإذا بها داكنة خصبة كأنها احتضنت الجذور طويلًا وسقتها صبرًا وربّتها في الخفاء حتى خرجت للعلن آيةً في البهاء فأيقنتُ أن الطيب لا يُصنع في الظاهر وأن الجمال لا يولد صدفة، وأن الأرض إن كانت كريمة أثمرت كرامًا.
كانت خمسين زهرةً حولها لكنها لم تكن واحدةً منهن، كانت في الجمع، لكنها ليست منسوخة عن الجمع كانت بينهم لكنها لا تشبههم إلا في الأسم
هنا أدركت أن الفرادة لا تحتاج ضجيجًا ولا تتوسل تصفيقًا ولا تستجدي اعترافًا الفرادة تُعلن نفسها بصمتٍ مهيب وتفرض حضورها بعطر لا يرى… لكنه يشعر
خرجت من البستان وأنا أردد ليس العجب أن يكون في كل حقل خمسون زهرة بل العجب أن تكون بين الخمسين زهرة تعيد تعريف الحقل وتمنح المكان معنى وتختصر في حضورها حكاية الأرض والسماء
تلك الزهرة علّمتني أن التميز ليس صعودًا فوق الآخرين بل رسوخًا في الأصل وليس كثرةَ عدد بل عمقَ أثر، وليس صخبَ مظهر بل صدقَ جوهرفالو أحد
إن طاب منبته وصدق جوهره وصفا عطره كان بستانا وإن كان وحده وكان قصةً وإن أحاطت به خمسون قصة وكان جمالًا يعيد للجمال هيبته.


