غيدا السبيعي
تعدّ التنمية البشرية أحد أهمّ أوليات خطط التنمية في أيّ دولة، ويتصدّر التدريب تلك الخطط في المملكة العربية السعودية؛ لإدراكها ضرورة تطوير المهارات واستثمار القدرات الإنسانية في كافة مجالات الحياة، وبما يحتاجه سوق العمل، في التخصصات الأكاديمية والعلمية والتطوير الوظيفي المستمر.
إن عملية التطوير تبدأ من اللبنة الأولى بإدراك الفرد لنفسه واكتشاف نقاط القوة والضعف والقدرات الكامنة داخله، من هنا جاءت فكرة التمكين الشخصي الذي يُعنى بالتدريب على مهارات الحياة، ويطلق عليه (Coaching ).
بدأت ثقافة الكوتشنج ( التدريب على الحياة) تظهر على الساحة التدريبية كنوع من التدريب، يهدف إلى الوصول بالمستفيدين من أفراد المجتمع إلى أهدافهم، وتقدير ذواتهم، وإكسابهم مهارة اتخاذ القرارات، وغيرها من المهارات الشخصية؛ مما يتيح الاستفادة من المعطيات المتاحة وفق عقيدة راسخة وأخلاقيات وقيم وتربية وتعليم ومواطنة. إن تفعيل تلك المعطيات أليس من السهولة بمكان؛ إذ يصعب التركيز عليها، ولايمكن تحقيقها إلا بعد سلسلة طويلة من التجارب وسجلٍ من المواقف التي تعرقل مسيرة الإنسان في حياته العادية، الكامنة في ثقافة العيب، ونظرة الآخر وغيرها من الأمور التي تقيد الإنسان من الانطلاق المبكر في حياته نحو النجاح الذي يحدث الفرق معه.
فيأتي دور المدرب الشخصي ( Coach ) والذي يعمل وفق استراتيجياته الخاصة، من خلال جلسة حوارية مركزة على المستفيد تمكّنه من الوصول إلى الإجابات المناسبة، والخيارات الصحيحة من بيئته ومن داخل نفسه، ونفض الغبار المتراكم من المخاوف والتردد والتسويف والتجارب المحبطة .
الكثير منّا لاتنقصه المعلومة، إنما ينقصه التفعيل والتطبيق والاستغلال الحقيقي لتلك المعلومات والثقافة والمعرفة لترتقي به إلى مرحلة عالية من الوعي؛ لهذا فإنّ أهم ما يمكن أن يصل إليه الكوتشنج -كتدريب موجه للأفراد- هو العمل على ردم الفجوة بين التدريب المهاري والتطويري وبين التطبيق الفعلي ووضوح أثره على الفرد، تلك الفجوة التي يبحث الفرد داخلها (باختلاف عمره وجنسه) عن ذاته الخاصة.
فهو يعمل مع الجميع، من الأفراد و الأسر والطلاب والموظفين والشباب والمثقفين وغيرهم. ولا يُشترط وجود مشكلة ظاهرة، فيسهم في البحث عن شيء لا تستطيع لمسه، الكوتشنج ليس إرشادا أو مجرد نصائح؛ بل هو أعمق من مجرد نصائح تتكرر بلا نهاية، وأعمق من معلومات تعرف قبل أن تقال.
تلك المعلومات وذاك التراكم الثقافي المشتت في كل اتجاه، نحتاج فعلا إلى تفعيله والاستفادة منه على المستوى الشخصي اولا ، وهذا ما يفعله التدريب او التمكين الشخصي من خلال جلسات الـ (Coaching ) مع الأفراد ومع الفرق و الموظفين, بالعمل التركيز على تحديد الرؤى الخاصة ، ومعرفة الأهداف الحقيقية، ورسم خارطة الحياة لتحقيقها من خلال الحلول الأصيلة للفرد، واستخراج الشغف الحقيقي والكنز المدفون داخل النفس البشرية.
إن الكوتشنج (التدريب أو التمكين الشخصي) من أهم أدوات تحقيق الرؤية الوطنية الطموحة 2030 الذي سيختصر سنوات من العمل والتجارب، ويوفّر الجهود المبذولة على كافة المستويات من الفرد إلى المجموعة، ومن الموظفين وحتى المسؤولين، فالكثير من رؤساء الدول لديهم كوتش خاص بهم لا يمكن الاستغناء عنه. وبالنظر إلى (رؤية 2030) نجد أن حكومتنا لم تدخر جهدا في تقديم الإمكانيات المختلفة بتخصيص ميزانية لمجال التدريب والتطوير، وتوفير الخبراء والبيئة المناسبة والتعليم المتكامل من خلال جامعات منافسة، وتوفير فرص الابتعاث الخارجي الذي يعود على الوطن بالخير الكثير.
نسعد كثيرا بوجود ناجحين نفخر بهم وبتميزهم في مجالاتهم المختلفة، إلا أنه يؤلمنا وجود الكثير لايزال يتخبط في تردده وضبابية رؤيته، ولايزال يبحث عن شغفه، ويتخبط بين أهدافه وأحلامه و مستقبله. إن الإنسان الذي لايملك رؤية واضحة، ولاخططا نابعة من رؤيته الخاصة، لا يستطيع أن يقدّر تلك الرؤية الخاصة ببيئة العمل، ولا رؤية المجتمع ككل؛ هنا تكمن أهمية الكوتشنج في إحداث التغيير العميق في ذات الإنسان عن طريق السمو بنفسه عن الملهيات، والتخلص من البرمجيات المجتمعية الخاضعة للأفكار المشبعة بالعيب، ونظرة الآخرين غير البناءة. كما يسهم في استكشاف طرق جديدة للتفكير وصناعة حلول إبداعية لحياته وتفعيل معلوماته وثقافاته لرفع وعيه الإنساني إلى مراحل متقدمة تُخرجه من صندوقه المقفل الذي عفى عليه الزمن؛ لـيواكب حياةً متجددةً ورؤيةً طموحةً تبدأ من الفرد لتعمّ المجتمع، وتصنع نجاحًا متكاملا.
الكوتشنج ( كـ تمكين شخصي ) إصلاح يبدأ من ذات الفرد الذي هو نواة المجتمع؛ لتحقق الرؤية الشخصية التي تنطق بقوة المواطنة الحقة لتحقيق رؤية وطنية طموحة .


