غازي بن أحمد الفقيه
ورثت الأجيال في العصر الحديث حكماً تاريخياً متطرفاً بحق الحجاج بن يوسف الثقفي (40____95) والي الحجاز ثم العراق على عهدي الخليفتين الأمويين عبدالملك بن مروان وابنه الوليد..!!ومن قسوة هذا الحكم أن عدّه كثير من المؤرخين صورة مجسمة للظلم والطغيان والاستبداد..!! وأن يُلعن الحجاج على منابر مساجد أهل السنة ناهيك عن الشيعة بل هناك من حكم بكفره رأياً لا شرعاً في المصادر التاريخية المعروفة والمشهورة.. والغريب أن يستمر هذا الحكم عليه (رحمه الله) في العهود المتأخرة، مع تجاهل تام لمناقبه وما قدّمه خدمة للإسلام جهاداً وفتوحات وعناية بكتاب الله الكريم ودوره المحمود في القضاء على فتنة الخوارج وثورة ابن الأشعث التي كادت أن تودي بخلافة الدولة الاسلامية في دمشق ..! دون استقصاء لحقيقة ما أُتهم به وظروف ذلك وما الجهات التي تبنت التشنيع عليه ورميه بأقذع الشتائم وتلفيق القصص للنيل منه ومن عصر خلافة الأمويين في شخصه .
وفي عتمة ما روي عن الحجاج وجدنا من المؤرخين كابن عساكر الدمشقي (499_571) الذي ينقل عن التابعي الشعبي(21_100)قوله( أن الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت نعوذ بالله العظيم ) لا حول ولا قوة إلا بالله_وإذا ماعلمنا أن تدوين التاريخ الإسلامي كانت بدايته الحقيقية في القرن الثاني الهجري وازدهاره في القرن الثالث الهجري رغم عدم تطبيق منهج علم الحديث على رواياته، فكيف يتيقن لنا صحة ما نقله ابن عساكر عن الشعبي في حكمه على الحجاج رغم مرور ماينيف على أربعة قرون بين عهدي ابن عساكر والشعبي ..؟!!
ومع ذلك هناك من المؤرخين من توسط بالرأي نسبياً في روايته عن الحجاج فهذا شمس الدين الذهبي(673___748) الذي قال: (كان ظلوماً جباراً ناصبياً خبيثاً سفاكاً للدماء) وأضاف: (وكان شجاعاً مقداماً صاحب مكر ودهاء وفصاحة وبلاغة وتعظيم للقرآن وحسنات مغموره في بحر ذنوبه وأمره إلى الله .)..!! السير(4/ 344)..وبحكم الذهبي هذا الصادر بعد خمسة قرون من موت الحجاج يجعلنا نتساءل عن دواعي الحكم بناصبية وخبث وظلم الحجاج من إمام سلفي كالذهبي..؟!!
ثم هذا ابن كثير(701____774) صاحب البداية والنهاية وكأنه يستقي رأيه من سلفه الذهبي في الحجاج بعد ستة قرون من موت الحجاج فيقول: (كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان _بني أمية_وكان جباراً عنيداً مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة. وقد روي عنه الفاظ بشعة شنيعة في ظاهرها الكفر)..!!!ثم يستدرك بقوله تبرئة للحجاج فيقول:( ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً وربما حرفوا عليه بعض الكلم وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات..)..!!ويضيف ابن كثيرقائلاً: (وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر وكان يكثر تلاوة القرآن ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج…وكان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد وكان فيه سماحة بإعطاء المال الكثير لأهل القرآن ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمئة درهم .)..!! إن شهادة ابن كثير الأخيرة هذه واعترافه ببغض الشيعة للحجاج يدحض كل ماقيل في حقه من التهم التي الصقت به ويجعلنا نعيد النظر في كل ماجعل من الحجاج أسطورة ظلم واستبداد ظفي صفحات تاريخنا..!! ونكل أمره لله تعالى فقد أفضى إلى ماقدّم وهو من الرعيل الأول بقرن الأمة الإسلامية الأول الذي هو خير القرون كما بشّر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام .
إن رجلاً بدأ حياته معلماً القرآن للصبيان في الطائف دون مقابل وبقي متعهداً بالقرآن وهو في منصبه في خدمة الخلافة الأموية بل وكلف من يضع النقاط على حروفه لكي لا يختلف الناس في تلاوته وجمع المصاحف على مصحف عثمان رضي الله عنه وأسهم في فتح بلاد السند وأدخل أهلها في الإسلام وقمع الفتن وثبت أركان الدولة في العراق وماوراءها لحري بنا أن ننصفه من ظلم التاريخ له ونترك أمره لله تعالى فلعل ما تركه من مآثر بعد وفاته أن ترجح ميزانه يوم لا ينفع مال ولا بنون ونصون ألسنتنا وأقلامنا من تبني آراء ثبت لدينا الشك في روايتها لا سيما ونحن لم نعش ظروفها ومسبباتها ولا نخوض مع الخائضين جهلا وتحزبا..!!

