ندى النجار
في ذلك الممر لعيادة الأنف والأذن والحنجرة ، وبين أروقة الإنتظار ، استوقفتني بعض العبارات الواثقة من أصحاب ربما اعتادوا على النطق بها ، أنا فقط من يسمعها لأول مرة، ووقعت في نفسي :
يا الله ياللي من ترجاه ماخاب ..
كثيرا ماكنت أتمنى وكثيراً ما كنت أدعو ، ألتمس لساعة يلتقي فيها لساني بقلبي فتصيب السماء..
اليوم تتلقاني الكلمات بتلك الحاجة الماسة من اصحابها ، لحظات لا أقرب منها إلى الله سوى الله ، ماكنت انتبه لمن خلف الأبواب ، لمن يظل صامتاً وبداخله الف رجاء وربما بكاء ، لمن لم تسعفه حواسه الا في تلك المساحة المتعلقة بالسماء ..
أتذكر ذات يوم ، بعض الأبناء الذين كانوا يقفون على غرفة العناية المركزة، يتناوبون واحدا تلو الآخر على ذلك الطبيب ، يتفوهون بما استطيع ان اسمعه ولا اسمعه ، كانوا يقولون نريد ان نراه ، أن نطمئن عليه ..
ويرد عليهم : لا أستطيع أن أسمح لكم برؤيته ، الزيارة ممنوعه ، دعواتكم له ..
أرفع رأسي وأراهم يبكون والطبيب لم ينثني عن قراره ..
وكنت اتساءل !! لماذا لم يسمح لهم ، حتى ولو كانت هذه العناية هي المركزة كما يقولون ، أذكر أنني دخلتها ذات مرة في زيارة لإحدى صديقاتي ، كانت بين الحياة والموت وسُمِح لي بذلك ..
بعد أن أفاقت ومن الله عليها وعافاها ، قالت لي ذات يوم ، كنت أتحدث لأقاربي عن يوم زيارتك لي في العناية المركزة ، يومها كنت بنصف غطاء ونصف عافية ونصف حواس ، الايدي كانت قاسية والاجهزه أيضاً ، كلها كانت تعيقني ، تقتحم خصوصيتي ، كنت كالسجينة ، بانتظار الموت او الافراج ..
كان دخولك علي في الغرفة كالمطر بعد جفاف ، كأمنية السماء ، كالحلم كالعافية ، كالحياة التي فارقتها منذ ان دخلت هناك ، لاشيء فقط ، سوى أن الله ساقك لي لاتنفس من جديد ، شكراً لله ..
اليوم أنا اتذكر ،، وأقف على كل ما يثير الاستفهامات بداخلي مالذي يمنع الابناء من الحصول على حقهم في رؤية والدهم ، كنت اجد لنفسي الحق في اقتحام الأسوار ، استأذنت الطبيب للحديث ، من هؤلاء ، اي نظام هذا الذي لا يسمح لهم برؤية المريض الذين يبكون لأجله ، لعل رؤيته لهم تجلب العافية ..
يومها قال : انه والدهم ، منذ يومين قد خرج من عملية القلب المفتوح ، الأجهزة التي تعتلي هؤلاء المرضى والادوية التي يتناولونها تجعلهم في نصف صحوه ونصف غيبوبة ، حتى لا يتألمون ..
بالأمس دخلت عليه وهو يبكي ، كان أولاده للتو قد خرجوا منه ، سألته ماذا تريد ، أعطيته القلم ليكتب ، عادة أنا أفعل ذلك مع مرضاي لأن أصواتهم لا تصل ، كتب بخط مرتجف وحروف متقطعة ، لا تسمح لأبنائي بالدخول ثانية ، إني أتألم وهم يروني هنا، لا أريدهم يبكون علي الآن ، إما أن أموت أو أقوم معافى .
يا الله ياللي من ترجاه ماخاب..
كنت قد سمعتها من أحدهم في عيادة الأنف والأذن والحنجرة، ربما كان يقصد مرضه وربما يقصد حاجته واليوم صرت أرددها لكل مريض أيا كانت حالته أو ربما حاجته ..
يالله ياللي من ترجاه ماخاب ، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين ..

