مما رغّبني لكتابة هذا المقال هو شدة استياء المجتمع من واقع الحجر المنزلي وما أراه من رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. الاستياء الذي أتحدث عنه لا أعني به القلق أو التوتر الطبيعي الذي يمكن أن يصيب أي شخص تجاه هذا الوباء وما سيتطور إليه الوضع ولكني أقصد تذمر بعض أفراد المجتمع من العزلة وكأن النجاح وتحقيق الأهداف لا يأتي إلا من الخارج! يعاني العالم من الوباء ويشتكي الأفراد من الفراغ والملل والفرط في الأكل! أحببت أن أشارك مفهومي للحجر المنزلي علّه يرفع من معنويات من يصله من أفراد المجتمع أو ينتفع به بأي شكل من الأشكال. الحجر المنزلي هو (ا) استغلال الوقت، (ل) لم شمل العائلة، (ح) تحقيق الأهداف، (ج) الإنجاز، (ر) رفع المعدل، (ا) اكتساب عادات إيجابية، (ل) ترقب هلال رمضان، (م) مد يد العون، (ن) تنمية الذات، (ز) تزكية النفس، (ل) اللعب بالإضافة إلى (ي) تطبيق قاعدة الواحد وعشرين يوما.
(ا) استغلال الوقت: الوقت هو أكثر ما نتنماه وأكثر ما نسيء استخدامه! نتحجج دائما بعدم وجود الوقت وعندما توفر لنا الوقت وقلت مشاغل وضغوط الحياة والأنظمة الروتينية واكتظاظ الطرق والالتزامات التي لا بد منها، سرعان ما سئمنا! وهذه الفرصة، فرصة الفراغ، التي أتيحت لنا إن لم نحسن استخدامها فإنها غالبا لن تتكرر والناجح هو من يحرص على استغلال وقته أما الفاشل فهو من يتفنّن في قتله! وفي هذا المقال طرق وأفكار عديدة لكيفية استغلال الوقت وجدولة اليوم وقهر الفراغ!
(ل) لم شمل العائلة: بسبب الانكباب على المشاغل الحياتية والالتزامات اليومية ضعفت أواصر الأسر وتناثر شمل العائلة التي تعيش تحت سقف واحد وتتقاسم الطعام والشراب ولكنها تختلف في توجهاتها وأهدافها وأفكارها واهتماماتها إذ "كلٌّ يغنّي على ليلاه"! أما الآن وقد أغلقت على الأسر أبوابهم فقد حان الوقت للم شمل العائلة وتقرب الأبناء للآباء والأزواج والإخوة لبعضهم البعض. لنخصص وقتا من يومنا للعائلة، لا نقضيه فقط بأجسادنا وإنما بأرواحنا! نتبادل فيه أطراف الحديث، نتعاون فيه لنشر الطاقة الإيجابية في المنزل، نلعب فيه مع الأطفال ونعلمهم وننمي مواهبهم. لنترك الفرصة لهذا الحجر ليصلح ما أفسده الزمن من علاقاتنا الأسرية!
(ح) تحقيق الأهداف: قد يكون العامل المحوري للملل والفراغ هو عدم وجود أهداف واضحة يسعى الشخص إلى تحقيقها، فلو كان للإنسان هدف بيّن لكان الحجر المنزلي هو أجلّ عطية يمكن أن يتلقاها ليتمكن من السعي نحو تحقيق هدفه! وقد يكون السبب الجوهري لعدم وجود أهداف جلية هو عدم وجود الوقت لتحديد الأهداف وجدولتها والبدء في تحقيقها. أما الآن فالوقت هو كل ما نملك! فلنبدأ بتحديد أهدافنا الآن ولنمحورها في عدة محاور كالدينية، العائلية، الاجتماعية، التطويرية، التحقيقية، الصحية والدراسية أو الوظيفية، ولنقسمها إلى أهداف طويلة وقصيرة ومتوسطة المدى ولنبدأ في تطبيقها والاستمتاع بالحجر المنزلي!
(ج) الإنجاز: قد يحتج البعض لقلة الإنجاز في السابق بضيق الوقت. وقد يحتج آخرون بضعف الإنجاز في الوقت الراهن بضآلة الموارد. فهل علمتم أن ابن تيمية قد ألف معظم كتبه وهو في السجن! أما الألباني فقد اختصر صحيح مسلم وهو مسجون! وقد أهدى سيد قطب للعالم تفسير القرآن الكريم "في ظلال القرآن" من داخل السجن! فما هي يا ترى الموارد التي كانت معهم وهم في السجن! أما نحن فلله الحمد والمنة منعّمون في بيوتنا قد توفرت لنا كل سبل الراحة وأدوات النجاح وطرق الإنجاز، فما الذي ننتظره! قال يوسف عليه السلام لعزيز مصر:" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" تعرّف على نقاط قوتك ومناطق شغفك ونمّها وشارك في العطاء وكن مفخرةً لعائلتك ونصرةً لوطنك ورفعةً لأمتك!
(ر) رفع المعدل: عادة ما يقلق الطلاب ويتوترون من ناحية الاختبارات، وخصوصا النهائية. ولِما على الاختبارات عادة من نسبة كبيرة من الدرجة الكلية للمواد الدراسية، فالتقصير بها لمرض أو قلق أو غيره قد يؤدي إلى انخفاض المعدل التراكمي بشكل كبير. وحرصا من وزارة التعليم على الحفاظ على مستوى أداء الطلاب في الأوضاع الراهنة، فقد خُفّضت هذه النسبة بشكل كبير واستبدلت بطرق تقييم أخرى كالأبحاث والعروض وغيرها. وتلك فرصة عظيمة لأبنائنا وبناتنا لو اغتنموها بشكل جيد لساهمت في رفع معدلاتهم وتحصيلهم الدراسي بشكل كبير.
(ا) اكتساب عادات إيجابية: هناك الكثير من العادات الإيجابية التي يرغب كلٌّ منا في اكتسابها وأخرى سلبية نسعى إلى التخلص منها! قد يشكّل انخراطنا في الحياة اليومية سببا للتقاعس عن بناء تلك العادات الإيجابية أو هدم العادات السلبية أو كلاهما. لذلك، الوقت الحالي يعد من أفضل الأوقات لتنمية بعض العادات والتخلص من البعض الآخر. فقد يرغب الشخص في الاعتياد على صلاة الوتر أو الضحى، شرب كمية جيدة من الماء، إعداد وجبات صحية متكاملة، ممارسة التمارين الرياضية أو الشعور بالامتنان والحمد في كل صباح، لكن ذلك يتطلب وقتا وهو ما يفتقر إليه الإنسان عادة. أما الآن فالوقت هو كل وأغلى ما نملك فلنسعى لوضع قائمة من العادات التي نرغب في اكتسابها أو التخلص منها والعمل على تطبيق واحدة منها ثم إضافة أخرى عند التمكن من العادة الأولى.
(ل) ترقب هلال رمضان: في كل عام يقبل علينا شهر رمضان ونحن لا نزال مشغولين في الأعمال ومنخرطين في المهام، حتى إذا بدأنا نستشعره ونعتاد عليه إذ به يمضي سريعا. فلننقرر أن يكون استقبالنا لهذا الشهر الكريم هذا العام متميزا! لِنشمِّر ونشد المئزر ونستعد له من الآن ونقوم بتزكية أنفسنا والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة حتى ما إذا بلغنا الشهر الكريم إذ بنا مستشعرون له معتادون على القيام وقراءة القرآن، عسى أن يتقبله الله عز وجل منا ويجعلنا ممن فاز فيه بعظيم الأجر والثواب ورفعة الدرجات.
(م) مد يد العون: من حق كل فرد من أفراد المجتمع أن يُمد إليه يد العون عند الحاجة! ومن حق الوطن علينا أن نبذل له كل ما نملك من نفس ومال وجهد وخصوصا في هذه المحنة! ولو أن كلاًّ منّا ساهم في جانب من جوانب الحياة، دون أن يعرِّض نفسه للخطر، لتمكنّا من تكوين مجتمع متكامل من جميع نواحيه. فلنساهم كل في تخصصه، حسب القدرة، ليتطوع الكادر الصحي في المستشفيات والفنادق، والكادر الرياضي بمساعدة المجتمع على ممارسة الرياضة من المنزل وتقديم الجداول والحصص الرياضية، وأخصائي التغذية بتثقيف المجتمع بأهمية الأكل الصحي ودعمهم بالجداول الغذائية الصحية، والمتفوقين بمساعدة زملائهم والأخذ بأيديهم، والرسامين والفنانين والموهوبين بمشاركة الناس مواهبهم ونقلها إليهم ومساعدتهم على تنمية ذواتهم واستغلال أوقاتهم فيما يرتق بهم وبمجتمعهم! خوف المجتمع من هذا الوباء وما ستصير إليه الأمور واستنفارهم وقلقهم لا شك أنه بحاجة إلى دعم، فقم بواجبك تجاه المجتمع ولوعن طريق نشر الرسائل الإيجابية وبث الأمل وزرع الابتسامة وغرس الطمأنينة في قلوب من حولك.
(ن) تنمية الذات: هي فرصة للتفرغ للذات وتنميتها وتطويرها! كم هي عدد الكتب التي كنا نقتنيها من معرض الكتاب ولا نجد لها وقتا! كم من مهارة رغبنا في تعلمها وأشغلتنا الحياة عنها! الآن هو وقت القراءة وتعلم لغة جديدة وإتقان عمل يدوي وبناء الشخصية وإكمال النواقص وتطوير الذات! وإن ربطنا التنمية بالتطوع، فلو أن كل منا شارك المجتمع موهبته ومهاراته عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والفصول الافتراضية ومواقع الانترنت لكانت الفرصة أكبر لمن أراد أن يكتسب مهارة جديدة أن بتعلمها مِن مَن يتقنها!
(ز) تزكية النفس: كم من صلاة أديناها على عجالة لنلحق بعجلة الحياة! متى كانت آخر مرة أمسكنا فيها القرآن بنية الحفظ أو الفهم أو حتى القراءة! منذ متى لم نصلي الوتر أو نحافظ على السنن أو ورد الذكر! انشغلنا بالدينا عن الدين! وبما أننا الآن نملك الوقت الكافي للحفاظ على أمور ديننا ودنيانا، إذ ليس هناك ما يدعو للعجلة، فلنسعى لرفعة الدنيا والآخرة!
(ل) اللعب: لنرفه عن أنفسنا ونكافئها عقب كل إنجاز! لنشارك طرق اللعب المختلفة مع أفراد العائلة! لنختر تلك الألعاب التي تنمي الذكاء وتقوي الذاكرة وتبني المهارات!
(ي) قاعدة الواحد وعشرين يوما: هناك قاعدة يسميها علماء النفس بقاعدة الواحد وعشرين يوما! تنص هذه القاعدة على أن الشخص يحتاج إلى واحد وعشرين يوما ليكوّن عادة وتسعين يوما لينشئ أسلوب حياة! فإذا اعتدت على عمل شيء ما لمدة ٢١ يوم، سواء أردت القيام به أو لا، فإنه يصبح عادة ملازمة لك. وبما أن مدة الحجر المنزلي ٢١ يوما، فهي أنسب فترة لتدريب النفس على اكتساب عادات جيدة أو التخلص من أخرى سيئة! لنعوّد أنفسنا على تحديد الأهداف، الإنجاز، العطاء، والسعي في تنمية النفس والغير.
وأخيرا فإن هذه الأزمة ستنتهي لا محالة، والشمس ستشرق على العالم من جديد، وسيخرج الجميع من جحورهم! ولكن هناك من سيخرج فائزا قائما بذاته وبمجتمعه ومنهم من سيخرج وقد أضاع فرصة قل أن تتكرر. لنحرص على البقاء في منازلنا واستغلال أوقاتنا ولنجعل شعارنا في جائحة كورونا: كن وراء رفع الوباء ونجاح الأمة!
د. سارة حسين مختار
عضو هيئة تدريس في جامعة الملك عبد العزيز


