في ذلك السوق المكتظ بحركة المتجولين وبجانب مطعم مسايا الراقي الذي يتردد عليه أشخاص رفيعي المستوى , يجلس في احدى زواياه طفل صغير مفترشاً سجادة وبها قاعدة من حديد تستخدم لخياطة وتلميع الأحذية واصباغ متعددة الألوان .
طفل في مقتبل العمر يبحث عن قوت يومٍ له ولأمه واخوته, بملابسه الرثة البالية ، كان يجلس محدقاً بوجوه المارة والرواد عله يكسب شيئاً مما يجود به قدره .
في ذلك المكان عادةً ما تجد الناس يقفون باستعلاء وتكبر ، تلهيهم هواتفهم ويلفتهم الغبار الخفيف على أحذيتهم فيتوجهون صوبه حتى يزيلها لهم مستعملاً فرشاةً عريضة وقطعة من القماش يمررها بخبرة تتجاوز طفولته التي سرقتها منه الازقة والشوارع وحطمها التعب المرتمي على ملامح وجهه الكئيب .
في بعض الايام ترى القدر يعاند براءته المنكوبة فيقتر عليه رزقه الى ان يدفعه للتضور جوعاً مع من يعيلهم ، ويتركه مهموماً قلقاً امام سطوة الطقس الحار ، عطِشاً لا يجد ما يبل به ريقه محاطاً برائحة الغازات المنبعثة من عوادم السيارات ومن جلود الاحذية المصنوعة من افضل المواد .
وفي احد الايام وبالقرب منه ترجل شخص من سيارته الفارهة ودخل إلى المطعم.
كان الولد يترقب خطاه حتى انتهى بها طريقها عند عتبة احدى الطاولات ، لحق به الصبي بعد الحاح معدته الخائرة الشديد عليه طامعاً بأن يجود عليه المرتاد ببضع لقيمات يسد بها جوعه ، فمد يده بتردد الى الطاولة ثم وجه نظرته بإلتواء ناحية الرجل مترقباً ردة فعله على ذلك ، الا أن النادل عاجله محاولاً منعه وابعاده فأمسكه من دبر قميصه بشدة كادت تمزقه في يده ثم دفعه بقوة خارج المطعم .
كان لذلك الموقف اثره المتفاوت على الحاضرين ، وانقسم الجميع بين متعاطف ومستهزئ كلٍ على حسب اخلاقه وتربيته التي ترجمها ذلك المكان الضيق والواسع في آن واحد، وأمام النظرات المتضاربة رحل الصبي مطأطئاً رأسه ، محاطاً بخيبته التي طالما روّعته ولازمته .
بادر صاحبُ الطاولة النادلَ سائلاً :
- لماذا تعامل الطفل هكذا؟
فرد :
- لأنه مزعج وكل يوم حاله هكذا ونخاف على سمعة المطعم ولو قعد ساعة لربما فر هذا الجمع نفورا منه.
- وهل هذا هو الصحيح في نظرك؟
- سياسة المطعم تقول هكذا يا سيدي.
خرج الرجل من المطعم مستاء يبحث عن الصبي في الطرقات القريبة ، الا انه لم يفلح في رؤيته ولم يظهر له اي أثر ، سأل عنه الى ان اهتدى الى معرفة المكان الذي يقضي معظم اوقاته فيه ، توجه اليه على الفور وايضا لم يجده فانتظره الرجل طويلاً دون ان يظفر برؤيته ثم غادر بعد ان قرر العودة الى هناك عندما تسمح له ظروفه .
وفي صباح اليوم التالي كان الطفل يجول بين المحال التجارية باتجاه مكانه المعتاد المطعم وإذ بالرجل الغني يلمحه
أوقف سيارته بعيداً عنه ثم نزل له وحيّاه قائلاً:
هل يمكن أن ترافقني اليوم اريد ان آخذك بمهمة بسيطة ؟
سكت الطفل برهة و اردف: أمي حذرتني مراراً وتكراراً بأن لا أثق بأحد هكذا وان كنت تريد اي خدمة فهلم خلفي إلى البيت وهناك امي واطلبني لخدمتك منها
تعجب الرجل من أسلوب ذاك الفتى صاحب الحنكة ورد عليه مبتسماً هيا امشي أمامي وانا خلفك.
كانت الأزقة الشعبية التي مشيا بها تعج بالفوضى وتضيق على ساكنيها ، هناك تصدر رائحة روث البقر والأغنام وترتفع اصوات الأطفال الذين يعيشون فيها بعيداً عن ادنى مستويات الحياة التي تحفظ كراماتهم .
وبعد مسير متعرج وصلا إلى بيت الصبي المتصدعة جدرانه ولم يبقَ من ألوانها أثر سوى بعض الكتابات المدونة بأيادي الصبيان .
ساء الرجل ما شاهده في ذلك المكان فسارعت روحه النقية للمساعدة وبدأ على الفور بترميم المنزل وافتتاح محل بالقرب من الساحة العامة للمدينة مخصص لبيع الألعاب وأبلغ الصبي أن يديره بعد ان جهزه له وصار ملكه .
ثم توجه الرجل الى احد المتاجر حيث اشترى للصبي ملابس جديدة ثم طلب منه مرافقته الى ذات المطعم حيث كانت طاولتهما في الوسط ثم أوكل امر الطعام للصغير على ان يطلبه هو وأخبره ان يكرر من طلباته بغية إتعاب ذلك النادل الذي جعله يقضي اغلب وقته في خدمتهما حتى بدا عليه التعب والإرهاق .
شاهد كل من في المطعم ذلك المشهد وانقسمت آراؤهم بين ساخر ومتعاطف مع النادل..
محمد الزعابي
@m1986ohd


