توفي فلان أو فلانة فهرع الجميع إلى التعقيب بذات الرسالة في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وربما بادر بعضهم بالاتصال منغمسا في حالة من الحزن الظاهري أو الحقيقي، الذي يتلاشى كله بمجرد مغادرة آخر حرف في الرسالة إلى جهات إصدارها، أو مع انتهاء النفس الأخير بعد مهاتفة سريعة، ثم تكون الصلاة سريعة تنتهي بتلك التسليمة الوحيدة عن اليمين ليعود الكثير بعدها إلى غيبوبة الحياة التي هزها وجرهاحدث الموت إلى حالة من الوعي لدقائق.
ثم تتجه تلك الأجساد مع جسد الراحل إلى المقبرة والجميع في حالة من الموت لافرق بين الراحل والمشيعين إلا سكون الانفاس لديه وتأرجحها لديهم.
في المقبرة تجري أحداث الجزء الأساسي المتعلق بتوديع الميت صلاة وتجهيزا للدفن، أما الأحاديث فهي عجب ولاحدود لها في الغرابة ولايمكن حتى لأعظم المؤتمرات أن تشملها، فالحديث عن العقار ومستجداته وحالة البيع والشراء فيه سواء بالمتر أو المعاد.
وحديث السفر إخبارا عن الماضي أو الإعلان عن الجديد منها ووجهاته التي لاتحدها البوصلة في الشرق والغرب والشمال والجنوب، والمناسب منها للإجازات القصيرة أو الطويلة أو لمواسم الصيف والشتاء، وحديث الصحة والمستشفيات والذين ماتوا فيها ومن ينتظر، وحديث الاقتصاد والسياسة والقضاء والتغيرات الاجتماعية وهموم التعليم وضحاياه، والقضايا في المحاكم، والبطولات الرياضية ومن كانوا معنا العام الماضي ومن رحل عن عالمنا.
حديث عجيب لا أدري كيف لايكون بهذا الزخم الا هناك في المقبرة، وعند رأس الميت الذي أراحه الله من ضجيج الحياة كلها، ولكن البعض مازال لديه أمل أن يفرغ جعبته من آخر حكايات الحياة لهذا الراحل.
وفي الحلقة الأقرب للقبر تجد فئة من كل حدب وصوب اجتمعت لتعطي تعليماتها وخبراتها العريقة في الدفن وتفاصيله الجنائزية، ومع أن شعائر الدفن لدينا في الإسلام بسيطة إلا أن "البعض" يصر على عدم تجاوز تلك التفاصيل التي قد يحول - في ظنه- عدم المجيء بها بين الميت وبين عبور عالم البرزخ، متجاوزا هذا" البعض" بعض الأدبيات التي أرجو لو راعاها الجميع، وهي أن الميت إن كان امرأة فالواجب الابتعاد عن القبر وترك ذويها من القرابة الألصق؛ إخوانا وأبناء وبني عمومة ليكونوا هم من يتولى التجهيز والدفن، وأقول ذلك من جانب المروءة ليس إلا، مع ثقتي أن الجميع محتسب وفاعل خير.
أخيرا الموت حالة تستدعي الضبط الشديد للذات والتأمل والتفكر في ماهو آت، والعودة للصفاء الذاتي الذي يتيح لكل واحد أن يستعيد روحه بعد أن تشتت بين الأولاد والأموال والطموح التي قيدت وكبلت حتى وإن تصورنا العكس والله المستعان.


