بعد أحداث الحلم الغريب والعجيب والذي رأيته في نومي حيثُ رأيت نفسي فيه إستشاري كبير وتم تكليفي بمتابعة مؤشرات "إنجاز" إحدى المؤسسات الطبية ورأيت نفسي الحلم أقوم بسحب المعلومات من الأنظمة مباشرة دون السماح بأي تدخل بشري، حيث كانت كل المؤشرات سيئة وحمراء وقلت لابد من بداية صحيحة لمعالجة الخلل؟ وكانت هناك زيارة للمدير في اليوم التالي مع نوابه واستعرضت أمامهم المؤشرات ومعاناة المرضى كما هي بكل أمانة، ورأيت هذا المدير في الحلم قد تغيّرت ملامح وجهه وما تعرضت له لـ "تهزيء" أثناء هذا الحلم وماقالته لي الزميلة عندما قالت لي أترك سحب المعلومات من الأنظمة؟ وأترك الشفافية؟ والأمانة؟ وهموم المرضى؟ وقم بإدخال المعلومات بشكل يدوي وستكون المؤشرات خضراء.
ومع كل أحداث هذا الحلم الغريب والعجيب مع أنه في الأخير مجرد أضغاث أحلام، لكن مارأيته من أحداث في هذا الحلم وبالأخص طلب الزميلة التي استوقفتني . وبعد ماصحيت من نومي وأخذت قلمي الذي لايهش ولاينش من داخل درج مكتبي الصغير وبدأت اتساءل هل يُعقل أن يغضب مدير منشآة صحية من إدخال المؤشرات بشكل صحيح في “أداء”؟ وما الهدف من وراء هذا الغضب حيث أنه من المعروف للجميع في بيئة العمل يفترض أن تقوم على الدقة والشفافية، ويبدو غريبًا أن يُبدي مدير لمنشاة صحية غضبًا عند إدخال المؤشرات بالشكل الصحيح في نظام مثل “أداء”. فالمؤشرات، بطبيعتها، وُجدت لقياس الأداء وتحسين جودة الخدمات، لا لإثارة التوتر أو الرفض. ومع ذلك، فإن هذا السلوك إن كان حدث بالفعل كما رأيت ذلك في الحلم فأنه يحمل دلالات تستحق التوقف والتحليل.
أولا : تفسير محتمل هو أن دقة البيانات قد تكشف فجوات في الأداء. فعندما تُدخل المؤشرات بشكل صحيح، فإنها تعكس الواقع كما هو، بما فيه من قصور أو تأخر في تحقيق الأهداف. في هذه الحالة، وقد يرى المدير أن هذه الشفافية والمصداقية قدتهدد صورته الإدارية أو تقييمه أمام المسؤولين في وزارة الصحة فيتحول من داعم للدقة إلى متحفظ عليها.
ثانيا : قد يرتبط الأمر بـ ثقافة إدارية غير متقبلة للمساءلة. ففي بعض البيئات، يُنظر إلى المؤشرات كأداة رقابية “ضد” الإدارة، لا “لصالح” تحسين العمل. وعندما تسود هذه النظرة، يصبح أي إدخال دقيق للبيانات مصدر قلق، لأنه يفتح الباب للمحاسبة بدلًا من التبرير.
كما أن هناك أيضًا احتمال بأن يكون الهدف هو إدارة الأرقام بدل إدارة الأداء. أي محاولة تجميل النتائج أو تأخير إدخال البيانات أو تعديلها بطريقة غير دقيقة لإظهار إنجازات أعلى من الواقع، وفي هذه الحالة، يصبح الغضب رد فعل على تهديد هذا النهج، لأن الدقة تفضح أي تلاعب أو مبالغة، ومن زاوية أخرى، لا يمكن استبعاد سوء الفهم أو ضعف التدريب. فقد يعتقد بعض المسؤولين أن طريقة الإدخال “الصحيحة” تؤثر سلبًا على قراءة المؤشرات، أو أنهم غير ملمين بكيفية تفسيرها، فينتج عن ذلك رد فعل دفاعي أو متوتر.
وفي الختام إن غضب المدير من إدخال المؤشرات بشكل صحيح ليس سلوكًا طبيعيًا في بيئة تسعى للتحسين والجودة. وغالبًا ما يعكس إما خوفًا من انكشاف الواقع، أو خللًا في الثقافة الإدارية، أو محاولة للسيطرة على الصورة بدل معالجة الجوهر. وفي جميع الأحوال، تبقى الشفافية في البيانات أساسًا لا غنى عنها لأي تطوير حقيقي في القطاع الصحي.
ودمتم سالمين


