تثاقلت خطى الحاج الفلسطيني “أبوسعد جرادات” وهو يهم بصعود “الباص 11” المنطلق من “بطحاء قريش” في مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ؛ بعد أن خلع “بياض” الإحرام ،واكتسى قميصآ داكنآ موسومآ بالخطوط المتقاطعة؛ وكأنها تصف ذلك الحزن الذي يعتصر قلبه من أثر الرحيل إلى بلاده.
هو ليس كارهآ “طيبة” البركة ، ولا “الضفة الغربية” المناضلة ضد العدوان الصهيوني؛ بل يتضور ألمآ لرحيل “الأيام المعدودة” التي قضاها ضيفآ على “الرحمن” عبر برنامج الملك سلمان ، في رحلة بدأت بإستقبالهم بـزمزم الشفاء ، وعجوة الكرم ، وورود البهجة ، ثم طاف “المشاعر” بقلبآ ذاكرآ ولسانآ شاكرآ، بصحبة 1000 فلسطيني جاءوا ليمنحوا شهداءهم نصيبآ من دعوات الرحمة.
في الحافلة التي ما أن خرجت من مكة إلا وداهم النعاس ركابها ليغُطوا في سباتٍ عميق ،علّهم يستيقظون وهم على بٌعد أمتارآ قليلة من المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ؛ كان “جرادات” يخفي دموع الوداع ، ومطأطئآ رأسة، متظاهرآ بالنوم ، عندها “استل” قلمه من غُمده، وأخرج ورقة في ظهرها عناوين هاتفية لأقاربه كان قد كتبها مُمنيآ نفسه الموت بين ظهراني مكة والمدينة، وأسند الحاج “جرادات” ورقته على حقيبة يدوية مليئة بالأدوية.
وفِي الوقت الذي كان سائق الحافلة يرقب بحذر كاميرات الرصد ، كان “جرادات” يحاول كبح جماح الدقائق والكيلومترات متلذذآ بصحراء قطعها النبي الكريم بناقته “القصواء” ، لتتناثر حروف “الوَجد” من قريحته بقصيدة “مكة”، وما أن فرغ منها حتى تسابقت “الفرائد” شوقآ للمدينة ، ثم يصف “الحياة” في مقبرة “البقيع” التي تضم “لحودها” 10 الآف صحابي ، وبينما “الباص 11″ تتقطع أنفاسه على حدود المنطقة المركزية للحرم النبوي جنوبآ يأبى ” الشاعر “جرادات” إلا أن يكمل قصيدة “رد الجميل” لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي مكّنه من الحج على نفقته -حفظه الله- ، وعرّج في أبياته على ثقل المملكة في العالمين الإسلامي والدولي ، واصفآ شعبها بـ”المسك”.
وتوقفت حافلة ضيوف الملك سلمان في المدينة وكأن سائقها يقول لشاعر “الرحيل” الذي قطف من السنين 66 عامآ : إرحم فؤادك ، واستغل دقائق العمر بنشوة الفرح فأنت بين قبر الرسول ومسجده ، وعند قباء و”أحد” ،و”نعناع” طيبة ،وتراب البقيع الذي قلت به:
أقرئ سلامي للبقيع وصحبهِ
إنَّ من سكن البقيِعَ كِرامٌ
وأنثٌر على قبر الرسول محبّتي
ولِجيرةٍ قٌرب البقيع عظامٌ
أهدي البقيعَ عظيم مودةٍ
والروحَ مني للبقيع سلامٌ



