خالد المعافي
يتداول الهنود في موروثهم القديم قصة ذلك الراهب المحاط بأتباعه المخلصين ، الذين يقضون معه ساعات طويلة كل يوم في التأمل والعبادة والصلاة ، ولكن ظهر لهم مشكلة بسيطة جدا وهي أن لهذا الراهب قطة مزعجة ، تتحرك في كل مكان ولا تترك المواء مفسدة عليهم خلوتهم الروحية وانشغالهم بالصلاة .
فما كان من الراهب إلا أن أمر بربطها في أحد الأعمدة خارج المعبد أثناء ساعات التعبد لكي لا تزعج أحدا من المعتكفين .
ومع مضي الوقت ، تحول الأمر إلى عادة، فصار كلما حان وقت جلسات التأمل والصلاة، لا بد أن يتم تقييد القطة إلى العمود في الخارج. ومع مرور السنوات، تحجرت هذه العادة، وتحولت إلى ما يشبه الطقس الديني، ولم يعد بإمكان أحد منهم أن يعتكف ليتأمل ويصلي، من دون أن يربط القطة إلى العمود أولاً .
في يوم من الأيام، ماتت القطة، فأصيب الأتباع بالذعر، وعانوا أزمة خطيرة. كيف لهم الاعتكاف الآن؟ وكيف لهم أن يمارسوا تأملهم وصلاتهم من دون قطة يربطونها إلى العمود؟ كيف سيصلون الآن؟ لقد أصبحت القطة في عقولهم هي الوسيلة التي لا يمكن الوصول من دونها، بعدما نسوا، أو تناسوا، أن الراهب كان يربطها لمجرد التخلص من إزعاجها أثناء جلسات التأمل والصلاة، لا أكثر!
إن أسوأ العادات والتقاليد المتوارثة هي تلك التي تمارس تحت غطاء الدين مع أنها تخالفه في شكله وفي مضمونه وتخالف العقل والمنطق ويوضع لها سياج يضاهي حدود الأحكام الشرعية دون مبرر .
لم يقتصر ضرر العادات وتعطيل العقل حيالها على المسائل الدينية فقط بل امتد ليشمل الوظائف والأعمال والممارسات اليومية ، فتجد الموظف الجديد يمارس إجراءات وأنماط وظيفية وجد زملاءه يؤدونها بشكل تلقائي حتى ظن أنها من صميم العمل ، ولو تأمل فيها قليلاً لوجد أن تركها لا يضر ، بل يمكن يكون نقطة انطلاق نحو آفاق جديدة لم يفكر فيها زملاؤه القدامى الجاثمين بين جدران الروتين الأربعة .
فيا ترى هل سنبادر بإطلاق سراح القطط الموجودة عند كل عمود من أعمدة تفكيرنا لنتجه للأمور الأكثر أهمية في حياتنا .

