اللواءالركن متقاعد/ حسين بن محمدمعلوي
سيظل الشعب السعودي يفتخر بالشرفاء الرموز في كل الحقول من أبناء هذا الوطن على مر الليالي والأيام ، فبالأمس القريب تناقلت وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي أخبار العفو الذي تم بموجبه إعتاق رقبة ثم تعانق رقاب .
هكذا شاهد الملايين تلك اللحظات والمواقف المشرفه التي حدثت عند قبيلة آل عاطف قحطان خلال صلح (مخلاص) الحواصله من آل حمد وذلك في ليلة الجمعه الموافق ( ٣ / ١ / ١٤٤٠ هـ ) قال تعالى
﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128] ولهذا حَرَص الإسلام على نشر ثقافة التسامح والمحبة والإخاء . إن الصلح الذي حدث قاده رجال أخيار من شيوخ ال عاطف وأعيانهم ووجهائهم وفرسانهم وفِي مقدمتهم الشيخ المبدع ملهي بن سلامه بن سعيدان العاطفي شقيق شيخ شمل قبائل آل عاطف قحطان وهو رجل له ولأسرته تقديرا واحتراما لتاريخ هذه الأسره ولأن أفرادها من الساعين دائما لإصلاح ذات البين وعمل الخير بين قبائلهم . كذلك فإن من ابرز الساعين في هذا الصلح الشيخ فهد بن بداح بن حلاص العاطفي ، الذي أشاد به الشيخ ملهي وأشاد به ولي الدم محمد بن حمد الحواصله .

جزاهم الله جميعا خير الجزاء وأثابهم على جهودهم . لقد كان ما يعرف في المصطلح القبلي بمسمى (الملفى) بسيط في هذا الصلح الذي ساده التواضع وعدم التشنج أو المشاحنة وذلك بفضل موقف ولي الدم الشيخ محمد بن حمد القرص الحواصله وأبناءه الأبرار ، ولَم يكن هذا الصلح مرهقا كما رأينا في ملافي ( أصلاح ) سابقه حيث كان يتواجد الناس المشاركين في الجاهيه في مكان الصلح للقاء الطرف الآخر ( اصحاب الدم ) منذو صباح ذلك اليوم وقد يستمرون الى صلاة العصر أو المغرب وهم وقوف تحت حرارة أشعة الشمس الحارقه يفاوضون و يطلبون العفو والصفح لوجه الله ويعرضون دفع المال وتنفيذ الشروط التي يفرضها أصحاب الدم التي قد يكون منها المغادرة وإخلاء الديار .

وفِي النهايه قد لا يحصلون على طلبهم و قد يحصلون على مطلبهم بدفع عشرات الملايين من الريالات لأصحاب الدم وفِي الغالب تصل الشروط الى مبالغ لا طاقة لأسرة أو قبيلة بدفعها فتلجأ الى الإسترفاد ” أي طلب الفزعه والمساعده” من القبائل الأخرى وشرائح المجتمع المختلفة ورجال الأعمال كما أثبتت الوقائع في الماضي البعيد والقريب التي لا نرى ضرورة ذكرها لحساسيتها وقد سجلها التاريخ .
لقد كتبت في السابق مقالا بعنوان ( الرجل الرمز ) أشدت فيه بتنازل العم (سعد بن محمد بن عبدالله الشهراني ) عن قاتل ولديه الإثنين لوجه الله تعالى واصراره على ان يجلس معه والد القاتل في العزاء بعد أن ذهب إلى المحكمة وسجل تنازله شرعا قبل أن يخرج الأمر من يده . حفاظا على اواصر ووشائج القربى وإطفاء للفتنة والإنتقام .

لقد تكرر هذ المشهد المؤثر هذا الأسبوع عند قبيلة آل عاطف قحطان عندما قرر رجل المواقف النبيلة الشيخ ( محمد بن حمد الحواصله من ال حمد قبيلة آل عاطف وأبناءه الخمسه الاخيار الكرام ) العفو عن قاتل إبنه الذي هو إبن اخوه الشقيق لوجه الله تعالى منعا للفتنه وتقديرا لشقيقه الذي اثنى عليه كثيرا في ملفى الصلح والإستقبال وتقديرا لكل الساعين في الصلح من المشايخ والوجهاء وكافة الناس والأعيان .
إن هذا العفو يضاف الى أمثاله من أنواع العفو في الماضي من رجال كرماء في كل أنحاء المملكه العربية السعوديه مما لا يتسع المقام والمقال لذكرهم ، وقد سجل لنا تاريخ العرب في الجزيرة العربيه قصصا مؤثرة في العفو من القصاص وفِي جيرة الدخيل ومجابرة ومعاضدة بعضهم بعضا على دروب الوفاء والأخوة والعزة والشهامه ، مما يجعل سكان هذه القاره السعوديه يفتخرون بتاريخهم الإيجابي المجيد في هذا الشأن . لقد فَضَّل أولياء الدم المُعْتِقُون لمن حكم عليهم الشرع بالإعدام لما ارتكبوه من جنح وجرائم قتل إختاروا وفضَّلُوا أجر الله على أجر عباده وبهذا انطبقت عليهم الآية الكريمه ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ..) .

إن هذا العمل وأمثاله يجب أن يسجل في تاريخنا لتفتخر الأجيال الحالية و القادمة بمن قام به لأنه سن سنة حسنه ولأنه قدوة للآخرين ولأن اجره على الله في (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ )(88 سورة الشعراء ). إننا للأسف عشنا في العقدين الماضي ما يمكن أن يسمى الإسترزاق في الدماء والأنفس من أشخاص سماسرة في هذا الحقل أسقطوا كل القيم النبيلة التي كانت تحيط بمجتمعنا السعودي وتمنع افراده من الأخطاء والزلل بل وتضع ضوابط وقوانين قبليه تمنع الفتنه والمزايدات وتحميل الناس مالا طاقة لهم به وتحصر الإسترفاد والفزعات في الدِّيَات لمن يدافع عن نفسه وماله وعرضه ودينه فقط، ومع ذلك يُحَمَّلْ الجاني جزء من العَوضْ في الجنح الديات وغيرها قد يصل الى ربع الدِّيه والباقي تحمله القبيله ( بحسب سلوم القبائل التي قد تختلف من منطقه الى اخرى )

، ولَم يقف المجتمع القبلي او الحضري يوما مع أي من المفسدين في الأرض كما هو حاصل اليوم وللأسف . لقد شهدنا في الفترة الماضيه من حَوَّلَ إعتاق الرقاب الى عروض بيع وشراء في الدماء، فكان لهذه المهنة سماسرة لهم حق الرد وحق العطاء يشترطون أتعاب السعي مقدما دون تقدير ودون حياء .. في زمن صار بعض أفراد المجتمع السعودي وبعض مشائخه ووجهائه وأشدد على كلمة بعض يتآجرون للأسف بدماء ابنائهم أو اخوانهم أو آبائهم أو بني عمومتهم باعتبارهم أولياء دم المغدورين او المقتولين أو المفسدين في الأرض الواقعين في دروب الشر والضياع وهلكوا لتقاتلهم فيما بينهم وَحُمِّلَ الأبرياء ديات دمائهم ظُلما . لقد وصلت هذه التجاره الى عشرات الملايين وصار لها سوق سوداء . ولعل من المهم الإشارة الى أن هناك مشائخ وأعيان ووجهاء وأصحاب دم كلهم شرفاء يسعون للإصلاح بنواياهم البيضاء وتاريخهم المشرف لا يرجون الا الإصلاح بين العباد وكسب رضى رب العباد . لقد أصدر ولاة الأمر حفظهم الله أوامر وتعليمات مشدده وعممها أمراء المناطق على كل من له علآقة وشأن بمثل هذه الأمور بمنع التطاول على الشرع في الديات ، بل أوجد ولاة الأمر في كل إمارات المناطق والمحافظات ما يعرف بلجان الإصلاح ….
والأمر يحتاج من المسئولين الى حزم وتنفيذ مهما كان إتجاه الرياح وأهواء الناس .. ولا بد من تكريم شيوخ العفو ومنحهم من أعلى الأوسمة الوطنية ما يستحقون . لأنهم شريحة مميزه في ألْلِّحْمَةَ الوطنيه
اللواء الركن متقاعد /
حسين بن محمد آل معلوي .


2 comments
2 pings
سعد ال دايل
19/09/2018 at 9:22 م[3] Link to this comment
جميل هذا الرجل المتواضع في كلامه والجزل في الفاظه والسهل في اسلوبه لأن بعض الناس مفتاح خير
والاجمل والأروع هذا الأب المحتسب والذي يظهر عليه التزامه ( بالكلمة وحبه لأخيه واحترامه للوفود واحتساب الأجر والذي تكرر على لسانه مرات )
أما إدارة الحوار في موقف صعب جدا فهو نجاح الاب والشيخ ملهي في ضبط الموقف و فن إدارة الموقف الصعب …
وبكل اسف تمنينا من قنوات التلفزيون السعودي والقنوات الاجتماعية أن تعيد نشر هذا النجاح والتحول الفكري والثقافي والتماعي بما يتفق مع رؤية المملكة الجديده التي تهتم ببناء الفكر
كلمة وفاء وشكر وعرفان لهؤلاء القدوات المبدعين ولمن اقتدى بهم ومن ساهم في نشر افعالهم المشرفة
ورسالة لمن لايزالون يتاجرون بدماء الناس قفوا واعتبروا وعدلوا من السلوك الماضي الغير حضاري والذي يتنافى مع الدين والعرف
نقف مبهورين ومتفاخرين بهذا الابداع
ابو ياسر
20/09/2018 at 12:55 ص[3] Link to this comment
سعادة العقيد الدكتور الشيخ فهد بن بداح بن حلاص العاطفي مشهود له بالخير وانا احد افراده ويعلم الله انه من خيرة الرجال عملياً وخلوقياً وليس مستغرب منه هذا الموقف فهو يقف مع ناس لايعرفهم
وفقه الله تعالى
شهادة حق