منى البليهد
تعبر الأناشيد الوطنية عن المُثل والقيم والطموحات ، وتوحد مجموعات من البشر ، في مشاعر متسقة ، وتقليص الفراغات النفسية والجغرافية والطبقية بينهم وأنماط الحياة المختلفة ، فهم يرددون كلمات يفترض أن الكل يقدرها وبالتالي …يفهمها .
وعلى مستوى الناشئة أجريت دراسة في الولايات المتحدة ، خلصت الدراسة أن 20% فقط من كلمات النشيد الوطني الأمريكي هي التي يستوعبها والبقية مشوشة أو صعبة الفهم ، وأجريت شخصياً دراسة استطلاعية بسيطة ، تبين لي خلالها أن هناك كلمات في نشيدنا الوطني لم تتضح لديهم أيضاً، ومن المفارقات أننا سلمنا بأن مئات الآلاف يرددون ما يفهمون كل صباح ، فيما تزخر كتب النصوص الأدبية لديهم بشرح مفاهيم الكلمات والمعاني ، إلا النشيد الوطني ، الذي يفترض ـ حسب وجهة نظري ـ إلى وضعه كجزء من المنهج الدراسي ، بمفرداته وتسهيل فهمها للنشء، تاريخه، تطبيقات مهمه عليه، توجد تفسيرات متعددة يحملها النشيد الوطني حسب نظرية التلقي ، واستغلال هذه التفسيرات لشحذ المزيد من التأملات والخبرات المتعلقة به، فهو بمثابة منتدى للنقاش حول السلوك والأخلاق ، والسياسة والتغير الاجتماعي .
هذا التغير الذي يستلزم وضع استراتيجية مخطط لها ، لكتابة أغاني وطنية وقيمية للنشء ( اليافعين) ـ وهي نادرة ـ يرددها بمفهومه، متسقة مع أهداف وطنه ، بمعايير نفسية وسلوكية وتربوية وأدبية ، وهذا النوع من الأناشيد أو الأغاني الوطنية التي لها كيانا مستقلا متميزاً ـ أجزم شخصياً أنه بتعبيري الشخصي : ( رأس مال الأناشيد ) ، فهي إن صيغت بعناية ، تساعد النشء على إنشاء صور ذاتية له واضحة قوية ، وطننا هويتنا ، وتقديم نماذج للوطن بتأسيس جيل واعي لأهداف وطنه، وكما كانت دراستي الاستطلاعية عن كلمات النشيد الوطني ، قمت أيضا بدراسة حول التصور العام لرؤية عشرين ثلاثين ، مما دفعني لكتابة نص ( آن الأوان) بإطار أغنية وطنية أهديتها للوطن.
لأشيء أقوى من الفكرة ( المعنى) بصورة الكلمة ، في أي نشيد ، وجيل يتغير متجهاً لوطن يرى التغيرات المتسارعة حوله ، لابد له أن يعي الأسس(رؤية عشرين ثلاثين) ما الذي يمكن أن يقدمه الشعر المقنن المغنى الوطني للنشء ، من فكرة تخدم فهمه للوطن ، والفخر بذلك ليس فقط على مستوى محبة الأوطان الغريزية ، إنما المحبة القائمة على استيعاب الخطط المستقبلية أيضا ،( أنا أفخر لأني أفهم ، لأني أفهم سأجتهد) .
استخدم في نص ( آن الأوان) النظام القائم على التداولية pragmatics الذي يتعلق باختيار الكلمات والرموز في الخطاب للأفعال الكلامية ، وأن وظيفة اللغة لا تقتصر على نقل وايصال المعلومات وارسالها ، أو التعبير عما يجول في خواطرنا، وإنما يجب أن تضطلع اللغة بتحويل الأقوال إلى أفعال اجتماعية .
ونظام اللغة ضروري للتنوع المنهجي ،الأفكار ، المعاني، الالفاظ، المفاهيم ، الإشارات والتي أشبه ما تكون بالشعارات المختزلة لما يتوجب عليهم الاهتمام به ، وترداده بوعي ، لرسم خارطة ذهنية واضحة عن وطنه.
. الخطاب الموجه يقتضي فهم سيكولوجيه المتلقي بالأساس، ووضع كلمات منحوتة أحيانا تمثل لهجة السامع تقترن مع اللغة الفصحى الأصيلة ،وبذلك تخدم النسق الجماعي المذكور آنفاُ.
وهي تأخذ منحنيات تتوائم مع التفاعل النفسي للمعنى منها لغة الحوار بين القائد والجيل الجديد ، تجعل من الخطاب رسالة تواصلية واضحة ـ التداولية المذكورة آنفاـ وهي من ضمن استراتيجيات الكتابة التي تناسب هذا الجيل (الأبوية ، الاحترام ، الوضوح) ، وتارةً باستخدام نون الجماعة (أنتم/ أنا) مما يذيب القرار الفردي في جسد الجماعة ـ النشءـ فالكل له نفس الاعتقاد وبالتالي نفس المشاعر ، فيعكسون ذلك على من حولهم .الجيل الذي يصنع التغيير، متى ما أدرك وفهم.
ومنها استعمال سحر البلاغة كالاستعارة ، يدعوها لوسركل بـ ( أثر الحقيقة ) والقوة في الاستعارة لها وقعاُ خاص بها ، لا ترجع إلا أنها تشبه الحقيقة فحسب، بل إنها تنتج معنى ، فاللغة لها وسائلها المبدعة السلطوية ، الاستعارة هنا تعود إلى الحقيقة لتنتج أثراُ حقيقيا لشيء مهم جداً ، على مستوى آخر، هو المستوى الشعري ، الذي يتملك الانسان ويقبض على المعنى والإنارة نتيجة التجلي والاستمتاع بالفكرة الحقيقية ، من القوة الجديدة الخلاقة للمعنى.
هذا النموذج ليس دفاعا عن النص الذي انتجته للنشء ، لكنه محاولة لوضع نموذج للأغنية الوطنية الموجهة للنشء، للاهتمام و إيجاد القواعد التي تحسر سمات ما تم تناوله من أغان وأناشيد وطنية بشكل عام، أو لليافعين ـ اهتمام هذا المقال ـ ودراستها من كافة النواحي ، وتقيمها، وادارة التساؤلات حولها.
بوضع برنامجاً رصيناَ محكماً معيارياً محفزاً وموجهاً ، للأناشيد الوطنية ، لرصد وإنتاج ، ما سيعتبره المؤرخون في المستقبل ، أدلةً مهمة حول الحياة التي كنا نحياها حينها … كفاحنا….طموحاتنا ….ونجاحاتنا .

