محمد الزحيمي
هاهو ينقضي شهر شعبان !
الكل فرح مستبشر !
فإلى السماء تجلت نظرات الناس ورنت ْ، وهللت دموعهم شوقًا لعائد أقبل يطفئ لهيب الحنين ، أقبل شهر الخير والغفران ينثر رحمته على من أفسد الدهر سريرته ، ويرقرق من نزغ الشيطان على الأحباب قلبه.
فيا أيها المؤمنين أقبلوا إلى نهر خير متدفق بماء زلال يطبب الجروح ويشفي القلوب ويغسل ترسبات الحقد والكراهية العالقة بالصدور.
لا تعودوا من هذا النهر ظمأ ؟ فإن والله المصاب من حرم في هذا الشهر الغفران !
تحابوا في شهر الحب، تصافحوا، واعفو في شهر العفو تصدقوا ، تنفلوا تقربوا بالطاعات في شهر الشكر .
فل نسارع بالود قبل أن نفقده ، ونتجاوز بالعفو قبل أن تعتصرنا آهات الندم ! على أم قد ترحل قبل أن ننعم يومًا بتقبيل قدميها، أو والد يرحل في صمت ليلة قبل أن نجثوا طالبين العفو والدعاء بين يديه ، أو أخ قد نعود يوما ولا نجده ! باعدت مطامع الدنيا سنوات القطيعة بيننا وبينه، أو صديقًا طالما تنفسنا الهواء من صدره حين تضيق علينا الأرض برحبها أوغلٍ واشٍ فأنسانا السادسة من حجرات المصحف العظيم !!
هاهي الفرصة تلوح لنا من جديد إن من الله علينا بإدراك شهر الخير من جديد.
َعَـادَ الشهر يطلبنا كاننا لم نكن يوماً ولاَ كانا !
فلنجعل من بركات الشهر عصى في يدينا نطفئ بها بحر القطيعة المسجور ، ولنصفح الصفح الجميل عسى أن يجعلنا الله من المشمولين بقوله تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وإياي وإياك أن نكون ممن يفتنوا بفيلة رمضان! !!
نعم فيلة رمضان.. وما أكثرها !!
فإنه يحكى أن الإمام مالك (صاحب الموطأ) جلس يومًا يلقي درسه بالمسجد النبوي، فيروي أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم والطلاب حوله يستمعون .
وفجاءة سمعوا صوت صائح يردد : الفيل جاء الفيل !! وكان أحدهم أحضر فيل عظيم للمدينة (ولم يكن أهل المدينة قد رأوا فيلًا قبل ذلك )!
فترك الطلاب الحلقة وهرعوا ليروا الفيل وتركوا الإمام مالك ودرسه!
إلا طالبًا واحد فقط! لم يقم من مكانه ولم يلتفت حتى للباب، هذا الطالب هو يحيى بن يحيى الليثي ، فقال الإمام مالك له :لما لم تخرج معهم لترى الفيل؟
أرأيت الفيل قبل ذلك ؟
قال يحيى: إنما أتيت المدينة لأري مالكًا لا لأرى الفيل!
واحدًا فقط من الحضور هو من علم لماذا أتى؟! وما هو هدفه؟! لذا لم يتشتت ولم يبدد طاقاته يمنة ويسره، أما الآخرون فخرجوا يتفرجون فانظر لعظم الفرق بينهما !
لذا نجد أن من حدد الهدف واستعان بالله وصل .
فكانت رواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي عن مالك هي المعتمد للموطأ، أما غيره من الطلبة المتفرجين فلم يذكرهم لنا التاريخ !!
اليوم ومع اقتراب شهر رمضان المبارك كثر الصائحون والمبشرون بأفيالهم فكل قناة تصيح : ترقبوا فيلنا القادم فهو أعظم من كل ماشاهدتم من قبل !!
إنه ذات الفيل يتكرر -حتى وإن تغير الصائح- بصور مختلفة وطرائق شتي ونحن مقبلون على رمضان .
فالناس مع رمضان على صنفين : صنف قد حدد هدفه فهو يعلم ماذا يريد من رمضان ، وما هي الثمرة التي يتمني تحصيلها .
وصنف آخر مفرط تستهويه أنواع الفيلة المختلفة
أكانت قنوات فضائية، أومسلسلات، أو مسابقات رياضية فكلها فيلة !!
والواتساب، والإنستجرام، والسناب شات، والفيس بوك فيلة هذا الزمان!
فاحذر الفيلة وبريقها فإنها ستسلب منك أفضل أوقات العام، وحدد لك هدفًا في رمضان واستعن بالله ولا تعجز ولا تتشتت ، فإن المحروم من حرم الأجر في موسم الأجور والمغبون من ضيع السلعة الغالية بثمنٍ بخس !!

