تأتي قمم مكة الثلاث الإسلامية والعربية والخليجية في ظل ظروف حرجة تعيشها المنطقة والعالم بأسره على وقع التهديدات الإيرانية بإشعال المنطقة وجرها إلى حرب مستعرة لا تبقي ولا تذر، وهو ما عجل بدعوة خادم الحرمين الشريفين لقمتين طارئتين إحداهما عربية والأخرى خليجية لبحث تطورات الأوضاع في ظل المراهقة السياسية التي يمارسها نظام الملالي.
وتصطبغ قمم مكة الثلاث بصبغة عالمية برغم اقتصارها على الدول الإسلامية والعربية والخليجية، إلا أنه من المنتظر مناقشة قضايا حساسة شغلت الرأي العام العالمي في الفترة الأخيرة، وعلى رأسها ما تمارسه طهران من تهديد لأمن وسلامة الإقليم، والمصالح الدولية المرتبطة به، وهو ما دفع الولايات المتحدة لإرسال جزء من قواتها العسكرية لمواجهة الأخطار المحتملة للتهديدات الإيرانية، خاصة بعد تعرض محطتي نفط سعوديتين لاعتداءات حوثية، سبقتها اعتداءات على سفن نفطية بالمياه الإقليمية الإماراتية، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أن سببها “ألغاماً بحرية على الأرجح من إيران”.
وهناك مجموعة من الملفات والقضايا الإسلامية والعربية الحيوية والمهمة ستنظرها القمم الثلاث بحشدٍ غير مسبوق ومرحّب؛ لمناقشة الأخطار التي تحيق بالأمة على طاولة مستديرة بالقرب من بيت الله الحرام.
فهل يدفع ذلك إيران لمراجعة نفسها وأفعالها، خاصة وأن إيران جزء من ذلك العالم الإسلامي الذي سيجتمع الليلة في مكة؛ لمناقشة مروقها وتهديدها المستمر لإقليمها المسلم وبقية مناطق العالم؟!!
طبيعة التهديدات الإيرانية
من الأهمية بمكان فهم أن طبيعة التهديدات الإيرانية عالمية وليست إقليمية، فهي لا تخصّ المنطقة العربية أو منطقة الخليج فقط، ولكنها تهديدات ذات طابع دولي، وهو ما يجعلها أكثر خطورة، فلم تتوقف التهديدات طهران بغلق مضيق هرمز الحيوي منذ أن قررت الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي المعيب، على حد وصف الرئيس الأمريكي، وإنهاء الإعفاءات النفطية الممنوحة إلى ثماني دول، إضافة إلى إعلانها تصنيف “الحرس الثوري” الإيراني على قائمة المجموعات الإرهابية.
وقد أخذت تلك التهديدات منحى جدياً عقب هجمات تخريبية على سفن نفط إماراتية، ترى الولايات المتحدة أن إيران تقف خلفها، كما قامت جماعة الحوثي المدعومة من إيران بالهجوم بطائرات مسيرة على منشآت نفطية سعودية، اعتبرها وزير إيراني سابق أنها جاءت رداً على محاولات أمريكا لفرض المقاطعة الكاملة على النفط الإيراني، وهو اعتراف ضمني بضلوع طهران بشكل رئيس في هذه الهجمات بالوكالة.
وعلى الرغم من الطبيعة الإيرانية الدعائية دون أفعال حقيقية، فإن أهمية مضيق هرمز الدولية، والتبعات التي قد تتمخض من غلقه تحتم أخذ كل التهديدات بعين الاعتبار، حيث تقول الأرقام إن ما بين 20 إلى 30 ناقلة نفط تعبر “هرمز” يومياً، كما يسهم في نقل نحو 85% من صادرات النفط الخام إلى الأسواق الآسيوية، ويعبر من خلاله بين 30 إلى 40% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم.
ووفقاً لشركة “فورتيكسا” للتحليلات النفطية، فإنه خلال النصف الأول من عام 2018، مرّ عبر المضيق نحو 17.4 مليون برميل يومياً، ومع بلوغ الاستهلاك العالمي للنفط نحو 100 مليون برميل يومياً، فإن ذلك يعني أن قرابة خُمس تلك الكمية يمر عبر مضيق هرمز فقط، وهو ما يفسر أهميته، وسر إصرار الآلة الدعائية الإيرانية على التهديد بغلقه.
ولا يمكن تفسير تصريح المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي لقناة “العالم” الإيرانية، قبل أيام، الذي قال فيه: “حال عدم التزام الدول الأوروبية بتعهداتها بعد انتهاء مهلة الشهرين فإن إيران ستخطو خطوة أخرى لتعليق بعض تعهداتها ضمن الاتفاق النووي”، إلا كونه تهديد صريح باستعداد إيران لمواصلة أنشطتها النووية، وإيذاناً بانسحابها من الاتفاق النووي برغم التزام الأطراف الأوروبية به حتى الآن، واستعداء إيراني جديد للعالم.
ولا يمكن إغفال الدور الإيراني في دعم المليشيا الحوثية بالمال والسلاح لمواصلة إتعاس اليمن السعيد، واستخدام أرضه منصة لإطلاق صواريخهم وطائراتهم المسيرة لتهديد استقرار القوى الإقليمية الأخرى المتاخمة لليمن مثل السعودية والإمارات، فالحوثيون يديرون حرباً بالوكالة عن طهران.
وعلى الرغم من المحاولة الإيرانية الاستباقية لقمم مكة بجولة عباس عراقجي مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية لسلطنة عُمان والكويت وقطر، في محاولة من النظام الإيراني لإحداث شرخ عربي وخليجي، ومنع الوصول لأي توافق عربي وخليجي ضد طهران، إلا أن المؤشرات تشي بقمم على مستوى الحدث لردع المحاولات الإيرانية لجرّ المنطقة للفوضى وعدم الاستقرار، وتقويض مساعيهم الحثيثة لإشعال نار الحرب.

