بندر الحربي
التضمين يعتبر من فنون البديع اللفظية ، وهو فن بلاغي جميل يؤكد على المعنى وبه يقوى الكلام ويزداد المعنى وضوحاً .
ويوجد للتضمين عند النحويين معناً مغاير وكذلك يختلف معناه عند العروضيين ، مفهوم التضمين عند النحويين هو إعطاء فعل معنى فعل آخر ، أما مفهوم التضمين عن العروضيين : أن يكون معنى البيت متوقفاً على الذي بعده، وما يعنينا هو التضمين البلاغي .
التضمين البلاغي : هو أن يُضمّنَ الشعر شيئاً من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهوراً عند البلغاء والغرض منه تأكيد المعنى المقصود وتقوية الكلام وتحسينه وقد أشار السيوطي إلى هذا النوع البلاغي فقال ( هو إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لقصد تأكيد المعنى أو ترتيب النظم ) وهذا يدل على متن العلاقة بين الشعر والبلاغة بأن كليهما من فنون الصناعة الشعرية في مجال اللغة ، وفنون البلاغة متعددة ومتشعبة ويعد الاقتباس من أقرب الفنون البلاغية إلى التضمين لدرجة أن البعض يعتقد أن الاقتباس والتضمين مصطلحان لمعنى واحد ولا فرق بينهما والأصح أن الاقتباس هو تضمين الكلام نصوصا من القرآن الكريم أو الحديث الشريف .
ومن الأمثلة على التضمين :
قد قلت لما اطلعت وجناته
حول الشقيق الغض روضة آس
أعِذاره السّاري العجول ترفقاً
ما في وقوفك ساعةً من باس
المصراع الأخير لأبي تمام .
وكقول أبن العميد:
وصاحبٍ كنت مغبوطاً بصحبته
دهراً فغادرني فرداً بلا سكن
هبّت له ريح إقبال ، فطار بها
نحو السرور وألجاني إلى الحزن
كأنه كان مطويّاً على إحن
ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
من كان يألفهم في المنزل الخشن
البيت الأخير لأبي تمام .
ولم يقتصر التضمين على الشعر الفصيح بل تعداه إلى الشعر الشعبي وطُرق بجميع أنواعه ، ومن أنواعه ما يسمى الإيداع وهو أن يضمن الشاعر مصراعاً أو جزءاً منه، ومن الأمثلة عليه قول الشاعر محمد بن فطيس المري :
ماني بمن يأتي ولا يدرابه
شطرٍ حفظته ما عرف كتابه
نجد الشاعر ضمن شطراً والتزم بالشرط وذلك بالتنبيه عليه بالشطر الثاني حينما قال شطر حفظته ما عرف كتابه .
وكذلك من أمثلة التضمين ما يسمى الاستعانة وهو أن يضمن الشاعر بيتاً أو أكثر ، ومثال تضمين الاستعانة قول الشاعر عبدالله بن سعود البيضاني :
يالعين هيدي لا يجيك الهبالي
ترى النقا بين الأجاويد ماراح
بيت ماهو ليه لكن طرالي
وبديت فيه وكل حر له جناح
نجد الشاعر ضمن بيتا والتزم بالشرط وذلك بالتنبيه عليه في البيت الثاني (بيت ماهو ليه لكن طرالي ) .
ومما سبق يتضح أن قيد التضمين هو التنبيه أو الشهرة وإذا أخل الشاعر بالشرطين فإنه يخرج من دائرة التضمين إلى السرقات الأدبية وهي ظاهرة سيئة موجودة في الأوساط الثقافية وتناولها الكثير من الباحثين والدارسين .

