ضيف الله الحازمي
قابلته بعد سنوات من الغياب يروي نفس السيناريو منذ ثلاثين عاما عرفته فيها ولم يزد على تلك الحكايات سوى عدد الراحلين من أترابه وأحبابه الذين تركوه وحيدا..
أصبح كمايقول كالجملة المعترضة لا محل له من الإعراب بعد أن شنعوا عليه بفقد العقل وتحاشاه بعضا من أقرب الناس إليه بلاسبب كمايقول الا كم الدموع التي يريقها بحضرتهم فهو يقول كنت أراهم كما يقول الشاعر…
ولابُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَة
يُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتَوَجَّع
ولكني اكتشفت كذب الشاعر في ذلك وكذبهم وكذب وزيف مشاعرهم فلايوجد هناك من توجع لي أو قام بمواساتي بقدر الألم الذي عصرني وأودى بي..
ثم سكت بعض الوقت ، انشغل فيه بتقبيل بعض أحفاده الذي دخلوا مجلسه ، وأمسك طويلا بأحدهم وقال ألا ترى أنه يشبهه وبقي طويلا يقربه ، ويضمه ، ويقبله وهو يقول بعض الأرواح لاتغادر نهائيا بل تترك بعضا منها فينا وفي أحبابنا ثم تركه حفيده يغادر لاحقا بإخوته والتفت إلىّ وقال لم يعد أحد يستمع لي ثم استمر ينثر الكلام مخلوطا ببعض الدمع المستقر في محاجر عيونه منذ أربع سنوات ثم التفت إلي وقال هل أزعجك بهذا الأنين فقلت لا ، هات جديدك وقديمك فأنا هذه الليلة نديمك ، فقال ربما لم أعد أمثل حدثا جديدا أو صرت مجرد جزء من الأرشيف المتقادم الذي لايتذكر سوى بعض الذكريات المرّة التي لاتعني للناس شيئا..
ثم قال أتيت لهذه المدينة شابا ليس في جسمي شعرة بيضاء اللون فأخذتُ من هذه المدينة بعض حلاوتها ، وبالمقابل أخذت مني هي كل شيء ؛ العمر، والقوة، والأولاد، فقلت له لربما هذا الثمن مدفوع مسبقا في كل الأماكن وليس مدينتك العجيبة هذه فقط ، فقال نعم هو مدفوع مسبقا وأعلم ذلك ولكن بعض الأماكن تصادر منك الطمأنينة فوق ذلك..
ثم ارجع رأسه للوراء ، وكأنما يفتح كوة في جدار حياته للنظر لما تسرب من العمر خلفه ثم قال لم أنساه وهو يشير لصورته التي تحتل واجهة المجلس حيث وضعها ليراها حتى من غرفة نومه..
فقلت ولا نحن نسيناه ولكنه رحل إلى خير جوار فقال ونعم بالله..
ثم كفكف دمعه وقال هل تعلم أن ثيابه مازالت بنفس رائحتها ونفس مكانها في دولابه منذ رحل قبل سنين أربع، لم يتغير لونها ولا طولها ولا أي شيء وكأنها تنتظر عودته المظفرة من هناك حيث لم يعد أي غائب..
فقلت هاأنت قلتها لم يعد من هناك أي غائب فلم تعذب نفسك برؤيته يوميا فقال بل هي سلواي وعزائي وماتبقى لي من رصيد العمر..
ثم أضاف كان شابا رائعا، كريما، محبا للجميع ولكن المؤسف أنه لم يعد يتحدث عنه أحد، أتصدق أنهم نسوه، إخوته وأصدقائه..
فقلت له بل احتسبوه ولم ينسوه ياعم..
فقال أنت مثلهم نسيته..
فقلت بل هو في القلب ولا نترك الدعاء له بالرحمة والمغفرة فأشاح بوجهه عني وقال أتصدق أن إخوته يكثرون جدالي باستمرار بالتخلص من أشيائه بحجة الصدقة بها تارة وبحجة الرضا بقدر الله تارة أخرى ، أنا مؤمن بقدر الله وأحكامه ولكنها الروح تأبى أن تنسى.
اعرفت الآن ماذا أخذت مني مدينتك هذه التي أدمنت المجيء إليها ، لقد أخذت مني كل شيء، لاقيمة لأي شيء بدونه، بدون إطلالته، بدون طوله الفارع الذي كان يظلني من كل ضيم ومن كل قسوة الحياة.
ثم بدأ يهمهم كما يفعل من يناجي غيابا عائدين أو كأنما يتلو رقيته الأخيرة قبل رحيل أخير فودعته وداعا أخير فأمسك بيدي وقال إياك أن تفرط فيمن تحب فقد لاتأتي الفرصة لوداعهم بمايليق كما حصل معي، إياك أن تظن الحياة كريمة كما ظننت أنا ثم سحبت مني كل رصيد الحياة دفعة واحدة مع كل الفوائد..
ثم تركته لهمهماته التي تستغرقه معظم اليوم دون أن يجد عزاء في أي شيء سوى الرحيل المنتظر بأمل اللقاء بالذين رحلوا إلى السماء وتركونا هنا على الأرض تمتصنا لوعة فراقهم حد التلاشي.
ضيف الله بن علي الحازمي مدير تعليم صبيا

