ضيف الله الحازمي
لم يعد لنا من البحر إلا تلك النسمات المشبعة بالأثير ، ورائحة الملح الخفيفة التي تملأ النفس حبورا وابتهاجا بكل ثانية نقضيها على ضفة نأوي إليها من صخب الحياة الذي أحاط بنا من كل الجهات.
هاهي الروح تتشبث بتلك الأمنيات البسيطة ، وقد غدت معلقة بأهداب شمس ما قبل الغروب وهي تنعكس على ماتناثر من غيم بالقرب منها وقد أحالته كجمر الشتاء الملتهب في مواقد الهاربين من برد ليل الشتاء ، المكتظة بمشاعر القاطنين في مدارات سهيل والثريا…
ها أنا أوزع بصري بين الشمس وبين تلك الغيماتِ والريح تبعثرها باتساع المدى وهي تهطل قطرا تارة ، وتارة تهبط للسفَح ضبابا وندى يعتمر كل سطح من الزهر أو الأوراق.
لا شيء بعد ذلك يبقى في ذاكرتي المزدحمة بتفاصيل يوم يشبه الكثير من أيامي إلا مشهد الصياد “مفتاح” يرمي شبكته قبيل الغروب وهو يشتهي أن ينتهي يومه بوجبة عشاء لأطفاله وقطط الحي التي أصبحت معتمدة عليه في عشائها كل ليلة..
وببساطة كل القاطنين تحت شفق المغيب لاتخذله شبكته التي تصاحبه منذ أربعين عاما فأصبح يعتقد فيها ويقول عنها أنها شبكة من الجنة ، فكثيرٌ من جيرانه يعودون بشباكهم خاوية إلا هو يعود بها محملة بعشائه وعشائهم حيث يتقاسم معهم كل ماتحوزه شبكته كل يوم فسمى شبكته العجيبة “بالمباركة” لأنها بقيت وفية معه في كل الأوقات….
فسألته في لحظة صفاء وكل أوقاته صفاء يامفتاح ماذا هنا؟ هل انت مصدر السر ، أم الشبكة فضحك وقال:
ما أسهل درب السعادة لو أفرغناه من الأمنيات التي أرهقت منا كل خافق تمدد خلف الضلوع حتى بات يشكر تلك الثواني التي تمر عليه خلوا من أي هم أو قلق..
ثم أردف قائلاً ببساطة لم يصاحبني القلق منذ ستين عاما هي عمري المنصرم ، لأنني فقط أنقذت عمري من الأمنيات ، ولم أضع في ذهني أي فكرة عن المستقبل الذي يتحدث عنه الناس لأنه عذب كل من عرفت فقررت ألا أرتهن للأمنيات..
فقلت وبناء على ذلك هل غادرتك كل المشاكل؟
فقال ببساطة لم أعد حتى اسمع بها ، فقط أراها على الناس من حولي.
ثم سحب شبكته من البحر وهو يقول انظر “للمباركة” ماذا عملت إنني لاأملي عليها أي شيء هي تعرف المطلوب وإذ هي محملة بصيد كبير فقلت كيف فعلت ذلك.
فقال لست أنا إنما هي “المباركة”
ثم انسحب مغادرا بصيده وهو يقول لاتنس فقلت ماذا..
فقال فرغ ذهنك وقلبك من الأمنيات وستجد الجنة ثم أخذ يبتعد شيئا فشيئاً حتى توارى في آخر الطريق بتلك الابتسامة التي لم تتغير مساحتها من وجهه منذ عرفته قبل سنوات طوال….
ثم انتبهت إلى كم الأمنيات التي تحتل كل سنتيمتر في ذاكرتي وقلبي وعرفت حينها كم أرهقتني الأمنيات كما يقول الصياد “مفتاح” فجعلت هدفي إن أتخلص من كل الملفات والأمنيات المحتشدة بذاكرتي مفضلا الانضمام لمفتاح في سيطرته تقريبا على لحظته الهاربة من جحيم الأمنيات لأعيش بلا أمنيات ولا ذاكرة ، لعل وعسى أستعيد شيئا من شغف الحياة.
الكاتب ضيف الله بن علي الحازمي مدير تعليم صبيا

