عرف العالم عبر تاريخه الطويل تحولات عميقة، هزت بنيته العامة، وأحدثت في مساره قطائعَ وعتبات تفصل بين عادات قديمة كانت سائدة ومقبولة، ومستجدات طارئة ومبتكرة. لكن حدوث هذه الهزات الكبرى في مساراته لم يتضمن بالضرورة قدرة الجميع على استيعابها في الوقت المناسب، فهناك من ينتبه بسرعة إلى مدى أهمية هذه النقلات الكبرى، فيسعى إلى أن يُكيِّف منظوره ومهاراته لأجل الاستجابة لمقتضياتها. وفي المقابل، هناك من يقاوم القبول بذلك، متشبثاً بالإرث السابق، ومتهماً كل من يدعو إلى المراجعة بالعدوان على ما لا يصح المساس به. هذا ما عاشه العالم مثلاً، إبان اكتشاف الطاقة البخارية التي غيّرت مفهوم القوة ومفهوم المسافة براً وبحراً، فهناك من أهَّل نفسه بسرعة للانخراط في التغيير، وهناك من ظل مستمسكاً بالأدوات الحِرفية التقليدية، وبالمراكب الشراعية التي فقدت معناها بعد حدوث هذه النقلة الحضارية الكبرى.
ويبدو أن ما يطال الحياة الإنسانية في عصرنا الراهن، من مؤثرات النقلة الرقمية النوعية التي خلقت أبعاداً جديدة في الوجود الإنساني، يجعل من الصعب على المفاهيم التقليدية مجاراتها من دون أن تخضع لإعادة تفكير جريئة، تعترف بأن ما نعيشه حالياً ليس مجرد إضافات تقنية جديدة لما هو قائم، بل هي بالأحرى عتبة تَحولٍ ستَتَكَشّفُ ملامحها بعد حين، كي ترسم عالماً جديداً كلياً تتداخل فيه عناصر الحياة مع المعالِجات الدقيقة والقوية، والخوارزميات المعقدة وفتوحات الذكاء الصناعي، مع القيم الأخلاقية، والمسؤوليات القانونية، والمراجعات الإنسانية المرتبطة بتصورات العالم وأطره المرجعية، وهذا ما يفيد بأن الهزّة الكبرى للتغيير ستجتاح بالمعنى الحرفي كل مناحي الحياة، بما في ذلك طبيعة الهوية الإنسانية ذاتها.
هذا التغيير أضحى أمراً مصيرياً بالنسبة لفئة الشباب التي سيُقَدَّر لها أن تعيش لمدة طويلة من عمرها مع هذا العالم الذي يتوّلد بشكل سريع في سياق من التوترات والأزمات العالمية الاستثنائية، لعل أبرزها وضعية جائحة «كورونا» التي من الواضح أنها ستصبح لسنوات طويلة جزءاً من المعطيات الواقعية للحياة اليومية للناس. يتضمن هذا أن مشاريع الحياة لدى الشباب أصبحت متداخلة مع المصير الرقمي لبلدانها، وكذلك المنظومة القيمية التي تؤطرها، فلا يمكن بحال أن تنفلت من هذه القبضة الرقمية التي أصبحت تمس تفاصيل الوجود الإنساني، وعلى الخصوص هذه الفئة العمرية التي تشكّلت ذهنيتها منذ الطفولة داخل العنصر الرقمي، تربية وتدريباً وتفاعلاً وإحساساً، وبالتالي فإن أي سياسة تأطيرية للشباب، تزعم قدرتَها على تدبير التواصل معهم انطلاقاً من الأطر المؤسساتية التقليدية، سيكون عليها أن تواجه فشلاً محتوماً، إذا لم تنتبه إلى خصوصيات ما يمكن دعوته بالجيل الرقمي الجديد التي يمكن اختزالها في المسألة التالية:
– تجاوز حدود الجغرافيا: التي لم تعد قدراً بالنسبة للشباب، على غرار ما كان في السابق، فقد أصبح المجال السيبراني بكل إمكاناته الافتراضية بديلاً عن الانتماء المكاني بدلالته المادية، ولهذا فإن البُعد المجالي لحياتهم اليومية تحوّل بالتدريج من الدلالة الجغرافية إلى الدلالة الرقمية، ولعل هذا ما يجسّده العنوان الإلكتروني، والحساب على الشبكات التواصلية، والعُملة الرقمية؛ إذ إن هذه المعطيات الجديدة تُخلّص الإنسان بشكل كامل من أي مرجعية جغرافية، أو ارتباط بمكان الإقامة، مما يعني أن تفاعل هذه الشريحة الاجتماعية مع مجريات الأحداث لا يتعلق بما يحدث الآن، بل هو رهينٌ بالترابطات الشبكية التي تحظى لديها بمطلق الاهتمام، لدرجة قد تنسيها تماماً موقعها داخل الجغرافية التقليدية، ومن هنا – ربما – تبرز أهمية مفردات من قبيل «Location» و«Web» بدلالاتها الرقمية الجديدة التي تؤكد على أن الموقع الرقمي الافتراضي أصبح يُغني في كثير من الأحيان عن مفهوم الموقع المكاني.
وعلى هذا الأساس، إن انتظارنا للشباب داخل حيز مكاني، عبر مؤسسات تقليدية معنية بالأصل باحتوائهم، قد يجعلنا نُصْدَمُ بغيابهم عنّا، حتى وإن فرضنا عليهم حضوراً مادياً، فلن يكون في الغالب إلا شكلياً ومنغلقاً وفقيراً على المستوى التواصلي، فهؤلاء الشباب ذكوراً وإناثاً أصبحوا ينهلون معارفهم وتصوراتهم من المواقع التي يرونها تُشبع فضولهم، وتناسب مزاجهم وميولاتهم، والتي تكون عبارة عن «Network» تحظى برواج كبير بين روادها، مما يوجد بين متابعيها نوعاً من صلة القرابة الرقمية التي تتجسد عبر عملية المشاركة، والتفاعل من خلال التعليقات، وترك علامات الإعجاب. وهكذا، من الضروري إيجاد م…

