لم تكن ليلةً عابرة، بل كانت موعدًا مع الذاكرة، ووقفةً هادئة مع الأرض حين تتكلم، ومع الإنسان حين يُنصت. في مساءٍ أحسائيٍّ مشبعٍ بالخضرة والماء والضوء، أُقيمت ليلة أمس، 13 يناير 2026م، أمسية ثقافية بعنوان «أنين السنابل: الأدب الشفهي وأهازيج حصاد الرز الحساوي»، بتنظيمٍ من كوب كتاب الشريك الأدبي ونادي أثر الثقافي، وتحت مظلة هيئة الأدب والترجمة، وذلك في مزرعة المهندس زكي السالم؛ المكان الذي لم يكن إطارًا للفعالية فحسب، بل جزءًا أصيلًا من معناها.
منذ اللحظة الأولى، بدا المشهد مختلفًا؛ فالمزرعة بخضرتها الوارفة، ومياهها الساكنة، وفضائها المفتوح، بدت أقرب إلى صفحة حيّة من ذاكرة الأحساء. توافد الحضور بكثافة، وبدت الوجوه مطمئنة ومبتسمة، كأن الجميع جاء وهو يدرك أن هذه الليلة ستُحكى.
استُهلّت الأمسية بكلمةٍ ترحيبية لرئيس نادي أثر الثقافي الأستاذ منذر البراهيم، رحّب فيها بالحضور، وعرّف بنادي أثر الثقافي، وبفكرة الأمسية ومحاورها العامة، ممهدًا لانطلاق البرنامج. عقب ذلك، انتقلت دفة الأمسية إلى الحوار، حيث أدار الجلسة الأستاذ الشاعر والأديب عبدالله المعبيد الذي تولّى تقديم الضيوف وتنظيم مسار الحديث، وقاد الحوار بهدوءٍ واتزان، جامعًا بين الطرح المعرفي والتجربة الحيّة، في لقاءٍ التقت فيه الأرض بالكلمة.
تحدث المهندس زكي السالم حديثَ من يعرف الأرض كما يعرف اسمه؛ فتناول الرز الحساوي لا بوصفه محصولًا زراعيًا فحسب، بل بوصفه جزءًا من هوية الأحساء وذاكرتها الزراعية. استعرض تاريخه في المنطقة، وارتباطه بتاريخ العائلة، وتوقف عند قيمته الغذائية والصحية، مؤكدًا أن هذا الرز ظل شاهدًا على علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته، علاقةٍ قوامها الصبر والمعرفة والاحترام.
وفي امتدادٍ طبيعي لهذا الحديث، جاء الشعر ليمنح الذاكرة صوتها. أطلّ الشاعر نبيل بن عاجان منشِدًا أهازيج الحصاد وقصائد ارتبطت بالمواسم الزراعية، أعادت إلى الأذهان تلك الأصوات التي كانت تصاحب العمل في الحقول. لم يكن الشعر زينةً للمشهد، بل جزءًا منه، وكأن السنابل نفسها تستعيد لغتها القديمة.
أما الحضور، فكانوا جزءًا أصيلًا من الأمسية؛ حضورًا كثيفًا ومتفاعلًا، جسّد روح التلاقي بين المثقفين والمهتمين وأبناء المكان. ازدانت المزرعة بالأسر المنتجة، وتنوّعت الزوايا بالحياة، وتوزعت الدهشة في العيون، في مشهدٍ جمع بين البساطة والجمال.
كانت أمسيةً تمشي على الحدّ الفاصل بين جمال الطبيعة وهدوء الفكرة، بين الماء والكلمة، دون تكلّف أو ادّعاء. أمسية أكدت أن الحديث عن الموروث، حين يُقدَّم في بيئته الأصلية، يصل إلى المتلقي بصدقٍ أكبر، ويترك أثرًا أعمق.
وفي ختام الأمسية، توزّعت الجوائز وتبادلت الأيادي الهدايا، في مشهدٍ عفوي عبّر عن روح الود التي سادت اللقاء. وبحضور مؤسس نادي أثر الثقافي الأستاذ أحمد البراهيم، كان الدعم حاضرًا، مضيفًا إلى الأمسية بعدًا إنسانيًا واستمراريةً للفكرة.
وإذ تُسدل هذه الأمسية ستارها، فإن الامتنان حاضر؛ شكرٌ لمؤسس نادي أثر الثقافي الأستاذ أحمد البراهيم، ولرئيس النادي الأستاذ منذر البراهيم، ولكافة أعضاء نادي أثر الثقافي، ولكوب كتاب الشريك الأدبي، وللمهندس زكي السالم وفريقه، الذين أعدّوا المكان وهيّأوه بعناية، فجاء المشهد منسجمًا مع الفكرة، وهادئًا كروح الأمسية نفسها. كما يمتد الشكر إلى الحضور الكريم، الذين منحوا اللقاء حضوره الحقيقي.
هكذا كانت أنين السنابل: أمسية بسيطة في شكلها، عميقة في معناها، بدأت من الأرض، ومرّت بالكلمة، واستقرّت في الذاكرة. أمسية تذكّر بأن الرز الحساوي ليس غذاءً فحسب، بل حكاية مكان، وجزء من هوية الأحساء التي لا تزال تُروى بهدوء… وبجمال.
صادق جواد المطر
(أبو أمين)
14 يناير 2026م

