أسامة معيني
تبدأ الحرب بإرادتهم ولا تنتهي بإرادتهم، الحرب لا تعرف النهاية .. نحن من يحمل البندقية ويدفع الثمن من عمره وحلمه ومن كل شيء .
كنت صغيرا عندما بدأت الحرب ، كبرت وما زالت هي الحرب .
كل ما حولي عرفها ، تصالح الكبار وما زلنا ندفع الثمن، كيف تعيش تحت سماء تمطر الموت ، وأرض تنبت الموت ، وأشخاص يحملون لك الموت .
ها هي الحرب تصالح أعداء الأمس الذين أقنعونا بالدم ، يقولون لقد إنتهت، والسلام هو الشيء الذي كنا تبحث عنه .
السلام هو الحل !!
لم نكن بحاجة إلى حاسة سادسة نتنبأ بها، كان إعلانها أمرا متوقعا للجميع .
القنوات تصدح بأغنيات النصر ، والصحف تعدنا للفرح حتى صرنا نرفع شارة النصر بلا شعور !!!
بدأت بطلقة واحدة ، وقذيقة واحدة ، ثم بلغت ذروتها وبقيت هناك .
كانت السماء خالية من السحب ، تحلق الطائرات بالموت بعيدا حتى تبدو كبعوضة معدنية ثم ترمي به وبالخراب، كانت الطائرة تخيف كل شيء حتى السمآء تنتفض منها ، كنا نتظاهر بالشجاعة ، نقول لأنفسنا ' لما الخوف ' ؟؟! فالموت لا ينسى أحدا .
إشتدت الحرب حتى أصبح الإنصات لصوت الانفجار والبحث عن الأشلاء واجباً يومياً، كنا نتمنى حصيلة أقل من الموت والبارود، كنا نريد موتاً أقل وباروداً أقل .
قتلنا جميعاً غابت أرواح كثيرة وبقيت أرواح أصابها العطب ولم تعد تصلح للحياة .
هل كان ممكناً أن تتكيف أرواحنا المعطوبة كما تكيفنا من قبل مع الموت القادم من كل الزوايا ؟ .
ظننا أننا لو أنجبنا أطفالاً قد ننسى وستكون أرواحهم سليمة ، أو أقل عطبا لكن خابت آمالنا ، فلا يمكن أن تنجب الروح المعطوبة أخرى سليمة، فالأرواح تخبئ عطبها في بعضها .
بقيت الحرب مستعمرة في الأرواح، يمكن أن تراها قائمة في ملامح النائم ، يتقلب في فراشه بشكل جنوني ، يستيقظ بعينين تخبرك عن عودة من الموت ، أنا انتظر الموت ' إذاً أنا حي '.
هل نحن ننتقم من السماء لأنها تنفض ذلك البعوض المعدني الذي تعلق بجسدها ؟
ما ذنب السماء إن عبرها الموت !!
أشفق على الأرض التي إبتلعت كل تلك الدماء والجثث والأشلاء والركام، كان يجب أن تصاب بالجنون على أقل تقدير .
أصبحت جثثهم قطعاً مؤذية تتألم الأرض منها فتساعدها الريح فتتقيأ بعض العظام والحديد .
تلك الدبابة التي وقفت في ناحية من البلدة لم نجرؤ حتى الآن على لمسها، عندما نقترب منها تتجلى فينا الحرب ، فنتسلح بما بقي لنا من حذر، نقترب أكثر لننتقم منها كما لو كان إقترابنا إنتقاماً !!
الحرب كريمة فلم تنسَ حتى الحيوانات، فلم نعد نستغرب عند مشاهدتنا أشلاء حيوان في طريق ما ، أشلاء هنا ' أي مر شخص فأعترضه قاطع طريق يسكن في الأسفل ' .
عندما ترى ذلك الطفل الذي سبق سنواته إلى عكاز أو عكازين توقن أن الحرب لا تريد أن تنتهي ، إنها تتكاثر في أجسادنا !!

