هذه الوظيفة ستحقق لك السعادة التي لا طالما تمنيتها، اشتري البيت هذا و ستحقق لعائلتك السعادة، سيارة احلامك هي الكفيلة بأن تجعلك سعيداً للأبد ، شراؤك لهذا الكتاب الذي يوضح من عنوانه وفهرسيه أنه يحمل اسرار السعادة الأبدية ، او ربما حجزك لمعقد في احد الدورات التدريبة التي تعلمك من دون الناس السعادة تكون كفاية بأن تجعل أصحاب الطبقات المتوسطة او العالية الذين بإمكانهم الانضمام إلى تلك الدورات سعداء . لا ادري كيف ابدأ لكن سأقول امراً واحداً أنه هذه الأشياء غاية في الحمق و السخافة فأنت كالذي يبحث عن الماء في صحراء قحلة، او كالذي يبحث عن النور وهو في كهف لا مخرج منه الى الشمس او الحياة.
فكرة أن تكون أول من يشعر بسعادة و تحفك كل ملائكة السعادة والرضا فكرة جنونية لكنها مرغوبة ليس لك فقط بل جمعينا . من منا لا يريد أن يكون سعيدا ؟ كلنا نريد ذلك حقا ليس لفتره ولكن حياة تنعم بسعادة ربما يقول البعض -الفئة التي جعت حياتها بالبؤس والحزن ورأت اشكالا من الحرمان- أنها تريد السعادة لفترة وجيزة المهم عندها أن تنتهي من العذاب لفترة ما حتى وأن عادت هذه الحياة الحجمية يوما ما . مع أن فكرة السعادة كما قلنا آنفا أنها جنونية و مرغوبة للبشرية إلا أنها مستحيلة ، أنا لست من الذين يحبوا أن ينشروا الكلام البائس والحزين في سطورهم ،لكن تلك هي الحقيقة السعادة كذبة اعدها وناس اذكياء حقا لأن السعادة فكرة تجارية ناجحة ، هل كل الناس تبحث عن السعادة؟ نعم ، فلماذا لا ندعي امتلكنا لهذه الرغبة البشرية . وكما فعلت أنا جعلت عنوان مقالي هذا كلمة "السعادة" ركن واساس لجذبك لقراءة المقال ، أنها كلمة ورغبة ساحرة بكل ما تعنيه الكلمة .
فلندخل في صلب الموضوع ، لأنني لا اريدك أن تظن ولو لوهلة أنني اريد من مقالتي هذه أن اعرفك بكذبة هزلية كوجود السعادة ! حقا لا اريدك أن تظن أن مقالتي تافة لدرجة أنني تحدث عن شيء واضح كوضوح الشمس . الموضوع الذي اريدك أن تركز معي عليه هو الألم ، نعم الألم النعمة العظمى و هبة الإلهية والطريقة المنيرة في هذه الحياة المتخبطة ، مرشدك في كل الطرق ، اعتقد أنني لو في مكانك لن اصدق أن الألم الذي أبكاني وجعلني لا اغادر سريري تلك اللية هو مرشدي ! أو الذي قاداني ربما في لحظات أن افكر بأنهى حياتي للابد او ربما تتذكر صديقا او قريبا لك او قصة شخصا ما فعل ما قاده الحزن أن يفعل وأنهى حياته البائسة ، لكنني اقولها و باسفاً شديد أنني اصر على أن الألم هو مرشدك وسأبرهن قولي هذا لك ، إليك ، الا تتذكر عندما كنت صغيرا ولمست قدرا ساخن او كنت جائعا للغاية فمدت يدك الصغيرة لطعام لتتفاجأ بحرارة الاكل فتبعد يدك متألما ألم يحدث هذا؟ او كنت عند الضيوف فقمت بعمل غير مهذب ليصفعك والدك او تجر امك اذنك ، او أنها ربما بعد أن ذهب الضيوف اخذت تخاصمك على ما فعلت ؟ اتيت بدرجة غير مرضية فكأنت ردة فعل والديك ندم وحسره على المال و الوقت اللذان يبذلنه في تعليمك ، اقلها صاحبك الذي تركك لأنه وجد احسن منك او ربما أنه لم يعد يريدك فحسب ! كل هذه الأشياء وغيرها الأكثر تسبب لنا الماً إما حسياً او نفسياً .وهذا الألم كان مرشدا دوما ودون علمنا يرينا الطريق الصحيح ، رأيت قدرا؟ ستكون حذرا هذه المرة ، وماذا عن ذاك الطعام الشهي ؟ ستتأكد من أنه قد برد ، لن تكرر خطأك عند الضيوف وستذكر هذه القصة عند اصدقاءك و ربما أطفالك مستقبلا كيف عقبك والداك تلك اللحظة ضاحكاً ، اما عن فشلك الدراسي ستكون قد استجهدت كي تفلت من العقاب او على الأقل كان يتملكك الرعب عندما تتذكر أن علاماتك الدراسية ستنزل غدا رعبا لن يفارق ليلتك ابدا . اما عن صديقك سوف تتعلم أن التعلق بشخص سيؤذيك وأن الثقة بأحدهم ستجعل منك منهارا عندما يفشي بسرك لشخصا اخر ، ستتعلم أن لا احد يدوم لاحد حتى لو أمك ، وأن سرك هو عبدك اذا كان في جوف قلبك إما اذا تحدثت به اصبح اميرك وكنت انت أسيره كما وصفه علي بن إبي طالب رضي الله عنه .
الألم هو حافز التغير المقنع في هذه الدنيا ، لو لم تتألم في كل لحظات حياتك وحظيت بسعادة مطلقة فلن تكون الا ابن الخامسة في جسد شابا بعمر العشرين ! الألم لا يزول إلا بألماً اخر تلك هي سنة الحياة بل والاصح حق يقضى على كل البشر .
في ختام مقالي الطويل اكرر لا وجود لسعادة لكن هناك طرق لتخفيف الألم او التماشي مع الألم بنغم حياة خالاً من النكسات النفسية المؤذية ، و يال اسفي الشديد أنني لا املك سواء خلفيةً بسيطةً عن هذا الموضوع ولذالك لا استطيع أن اسهاب فيه ،لكن سأكتفي بقول أن الألم سمة من سمات الحياة تلك السمة التي تحث على التغير و التطوير وأن الرضا هو شقيق السعادة الذي نزل للأرض ، لماذا تواجهنا مصائب واحزان؟ لأننا ببساطة في الدنيا لسنا في الجنة ابداً ،الايمان الداخلي بوجود الألم لكل الناس مهما اختلفت درجاته يجعل منا راضين وهذا هو المطلوب لنتقبل هذه الحياة على ماهي عليه فعلاً . والأيام تتقلب بين الألم وفرج وليس بين الألم وسعادة ، وأن بعد كل عسر يسر ، أن بعد كل عسر يسر كما قال الله تعالى " ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾" .


