منذ بداية عام 2019 وفي شهر مارس تحديدًا تغيرت حياتنا تغيرًا ما زلنا نشهد تطوراته حتى اللحظة، وذلك نتيجة ظهور فايروس (كوفيد-19) الذي انطلق من الصين ليصل إلينا أين ما كنا في كافة أنحاء العالم..
ولا تخفى على أحد كمية التغيرات التي طالت حياتنا الروتينية لتغير شكل أنشطتنا اليومية، ابتداءً من قيود الإغلاقات المستمرة وانعدام التفاعل الاجتماعي، وانتهاءً بالتغيرات الاقتصادية التي جعلت الملايين يفقدون الأمان الوظيفي، ويجهلون مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم، وكمية التغيرات الكبيرة هذه أثرت بلا شك على استقرارنا النفسي، ووضعتنا في مواجهة أزمة تضغط علينا من كافة الجوانب، فأصبحنا نعيش في خوف مستمر من إصابتنا أو إصابة أحبتنا أو أحد أفراد عائلتنا بهذا الفايروس المميت؛ فأنتج ذلك العديد من حالات من الرهاب والقلق والتوتر والوسواس القهري وزيادة الإدمان سعيًا للهروب من الواقع، كما أدى إلى إصابة البعض بحالات من الاكتئاب حتى بين الذين تعافوا من الفايروس، بل وأدّت آثاره النفسية لدى البعض إلى الانتحار الذي ازدادت نسبته بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيتين وما زال في ازدياد.
كل هذه التغيرات الطارئة والسريعة جعلتنا نواجه مئات الأسئلة، ومن أهمها: ما هي أبرز التداعيات النفسية التي خلّفتها الجائحة؟ وما مدى تأثيرها على جيل الشباب وكبار السن؟ وكيف يمكن الحد من آثار هذه التداعيات النفسية الخطيرة؟ وهل ستنتهي في حال اختفى الفايروس أم ستلازمنا لفترات طويلة لاحقة؟
بدايةً، فقد حرص الإسلام على ترسيخ مبدأ البر، وطاعة الوالدين، وتقديم المساعدة للآخرين، بل واقترن "البر" بعبادة الله تعالى؛ إذ قال في كتابه العزيز: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا"
وقد زادت أهمية تقديم الدعم للأجيال المتعددة خلال أزمة (كوفيد-19)؛ خاصة بعد عودة عدد كبير من الأبناء الشباب للعيش في منزل العائلة، واحتياج كبار السن لأشكال غير مسبوقة من الرعاية.
وهذا الفايروس لا يهاجم الرئتين فقط، بل يمتد ليهاجم الجهاز العصبي مما يؤدي إلى حالات نفسية وعصبية قد تؤثر على أداء أي فرد لمسؤولياته على المدى القريب والبعيد كذلك.
وبحسب شركة "نيويورك لايف" للتأمين على الحياة، فقد ارتفعت تكاليف تقديم الرعاية للمسنين أثناء الجائحة، إذ وصل متوسط تكلفة تقديم الرعاية لأحد أفراد الأسرة من المسنين إلى (1000 دولار)شهريًا، وذلك بسبب زيادة الإنفاق على متطلباتهم اليومية.
ولا يغيب أيضًا عن أي أبوين مدى تأثير الفايروس بشكل مباشر على حياة اطفالهم الذين حُرموا من الوجود في المكان الأهم لبناء الصداقات واكتساب الخبرات.. "المدرسة"، وتسمّرهم لساعات طويلة أمام شاشات الحواسيب والهواتف المتنقلة، مما يعرضهم كذلك لمخاطر نفسية واجتماعية قد يصعب معالجتها واستدراكها لاحقًا. وبسبب غياب الدعم الحكومي فغالبًا ما تقع مسؤولية العناية بالأطفال وكبار السن على عاتق "النساء"، وعلى الرغم من التشجيع الكبير ومحاولات التمكين للمرأة إلا أنهن ما زلن يواجهن صعوبات كبيرة في التوفيق بين العمل ومسؤوليات الرعاية الاجتماعية.
فخطر إصابة كبار السن بالفايروس، أو بآثاره النفسية.. مع خطر تعرض الأطفال لحالات من الاكتئاب وتدني المستوى التعليمي، بالإضافة إلى خطر فقدان الوظيفة ومواجهة المستقبل المجهول.. كل هذه المخاطر تقع على عاتق بعض الأشخاص المعنيين برعاية ذويهم، وأبنائهم.. وقد تبدو للبعض اعباءً أثقل من أن تُحتمل!
إلا أن هناك العديد من الأمور التي يمكن أن تساهم في تخفيف ثقل هذه المسؤوليات، منها:
1. لا تبالغ في متابعة الأخبار، واكتف بالأخبار التي تهمك والمتعلقة بأمنك وسلامتك وسلامة أسرتك.
2. عندما تسيطر عليك الأفكار السوداوية والمتشاءمة، شتت انتباهك واشغل نفسك بأفكار أو أمور أخرى تحبها وتستمتع بها.
3. حاول تخفيف أجواء التوتر داخل الأسرة من خلال ممارسة أنشطة ممتعة للجميع، لتبادل الاهتمام وبث روح من المرح في المنزل.
4. انظر للأمور من زوايا مختلفة، وأبعد عنك مشاعر الذنب والتقصير، وتذكر دائمًا بأنك تبذل قصارى جهدك!
وختاماً يمكننا القول بأن أولئك الذين قد يبدون لوهلة مصدر ضغط إضافي عليك، هم أنفسهم قد يكونون مصدر قوتك؛ أنت فقط بحاجة إلى توعية نفسك والموازنة بين حرصك على سلامتك وصحتك النفسية، وبين سعيّك لأداء مسؤوليتك تجاه أسرتك أو الأشخاص المسؤول عنهم، لأن فاقد الشيء.. لا يعطيه، كما أن النظر إلى إيجابيات الأزمة وإن كان صعبًا إلا أنه مهم جدًا؛ إذ أصبح لديك المزيد من الوقت لتقضيه مع عائلتك، مما قد يجعل روابطكم الأسرية أقوى، بالإضافة إلى الاستقلالية التي قد نفقدها أحيانًا بسبب الضغوط الاجتماعية خاصة في مجتمعاتنا العربية، فأصبح لديك ولأسرتك الآن مجال لوضع بعض الحدود التي تجعلكم تتمتعون بقدر أكبر من الحرية والراحة.

