حينما كنت طفلاً ، كان جل أمنيتي أن أقتني أدوات للرسم كالريشة والتلاوين المائية وغيرها من تلك المقتنيات التي يتفنن بها الرسّامين العالميين.
كل رسمة من ريشة أو صورة من عدسة تأخذني الى عالمٍ لا يستطيع غيري الدخول إليه.
إنه عالم الطفولة حيث أغواره لا تُكشَف إلا لمن شعر بعجزٍ.
باب مرصود بشيفرة لا يمكن فكّها سوى من خلال كبار أطباء نفسيين.
إقتربت بخوف الى ريشتي الأولى التي بقيت أشهر أدّخر ما تيسر من نقود لممتها من نقوش كانت في جيب والدي..
واستعرت ورقة من صديقي لارسم كل آلامي وأَحزاني..
كنت خائفا من أن تخيبني أناملي ولا أستطيع فك تلك العقدة من الشيفرة..
فتصدرت الرسمة الاولى من حياتي في المسابقات العالمية (فابريانو) لتكون الرسمة الأجمل في مدرستي...
.أما اليوم فلم يعد لي شغف لاحرك أناملي سوى لقلمي ،فكتابتي شغفي، هيي الصورة التي تعكس مرآتي ،تعكس ملامح تلك السنين العجاف.التي مرت بي..
لأول مرة أقف أمام جمعٍ غفير في قاعة المدرسة والجميع يصفق لي..
إنها المرة الأولى من ولادة موهبتي.، اسمي وكنيتي يرتفع صداها في تلك القاعة كنغمات خرقت وجداني وأحاسيسي لأول مرة يناديني أحدهم بإسمي..
لقد إعتدت مناداتي بالحمارر والجحش البري والبوم وأنواع أخرى من أصناف حيوانات نادرة ومنها قد إنقرض كما تنقرض كل آمالي..
فرحت فرحة لن تتكرر بعدها..
أعلم ذلك..
وقفت لأستلم هديتي يا ألله إنها أدواتٌ من رسم ورِيَش ماء، ربما أحتاج إدخار نقوش لسنوات لأقتني على واحدة مثلها ..
ربما غلطتي كانت أنني لم اسجد لله شكراً ولكن يوم لم يكن السجود الأول لي قد حان أوانه لطفل من عمري.
لم تكتمل تلك الفرحة أبداً فما إن وصلت إلى المنزل حتى جلست ليلي ونهاري أرسم كل ما حلمت به في صغري..
لم تكتمل أحلامي ابداً ، أغفو لأرى خدي صباحا وقد إمتلأ بألوان كمهرج رسم على وجنتيه فرحة مزيفه.
إقترب والدي بعدما رأى حلمي لا يلائم أحلامه لينتزع مني كل أدواتي ويلقيهم في طابونة جدتي ويجعلها وقود نارٍ قائلا :يا ولدي هذه الرسومات والخزعبلات لا تطعم خُبزاً.


