هناك أناس همهم وشغلهم الشاغل كم جمعت من المادة، فتجدهم لا يسألون إلا عن المال. فلا يهمهم كيف جمعته ولما جمعته.
يتحدثون وقد أَسكَرَتهم نشوة المادة. و يُتبعون لَمزهم قائلين :وماذا ادّخرت أنت! ؟
ويكملون أسئلتهم جدافاً وكأنهم وجدوا من يُفرغون نَتنَهم عليه..
نعم فهم في نظرهم لا يُثمن ولا يُغني من جوع.
لقد اشترينا العقار الفلاني في البلد الفلاني وبَنينا منظومة من سلسلة تجارية تَدر علينا أموالاً طائلة.
ماذا فعلت أنت!!؟
هيا أخبرنا!!!
هكذا حالُ العديد من أطبائنا في مجتمعاتنا لسان حالهم المادة ،فلا وصلوا للروح ولا للمادة، إنما هم مرضى في قلوبهم.
المال نعمة من الله سبحانه وتعالى لكَ أيها الطبيب فاغتنمه وتواضع.
لاسيما لَمّا تسمع قصصاً حصلت مع أناس من عصور ماضية أخبرنا بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كالأبرص والأقرع من بني إسرائيل هَمهما المظهر أعطاهما الله حُسن المظهر وَدَرَّ عَليهما الإبل والبقر رزقاً فجحدوا النعمة قائلين وَرثناه كابراً عن كابر.
أمّا آخرون فقد ورثوا نعمة كَفيف البصر، مدرك البصيرة، كذاك الرجل الذي أعطاه الله الغَنَم رزقاً فحفظ حَقّ الله فيه،شاكراً ومعترفاَ فضله عليه قائلاً :"كنتُ أعمى فَرَدَّ الله عليّ بصري" رُزِقَ نِعمة التواضع والأخلاق والكرم، "فَخُذ ماشئت وَدَع ماشئت فكله لله ومِن الله".
أمّا أنتَ أيُّها الطبيب المُتَغَطرِس، المريض الجاحد ما أنعم الله به عليك، فَرقٌ بينك وبين هؤلاء ،فأنت تجمع لدنياك من أجل ملأ جيوبك فتزداد قسوة في قلبك.
أمّا هم، فيعملون ليحيوا إنسان بِكَلماتٍ خَرَجَت مَجّاناً للمُتَسَوّلين على أَروِقَة وحافّة هذه الدنيا..
كلماتهم تخرج بَلْسَماً لِتُداوي بها قلوبهم وتَحنوا على مسامعهم فَتَرِق بها قلوبهم وتنجيهم من يَأسٍ ضامرٍ قَد حَلَّ بهم.وتُقوِّم طَريقهم المِعوَج حتى يصلوا بتلك التَّرانيم الى الله تعالى.
إنَّ هذا العمل هو أشرف الأعمال يا صديقي
يَدر عليهم السعادة التي لن تجدها من خلال طَمَعِك وجَفاء طَبْعِك.
لقد اسْتَذكَرَني قصة لبائسة من الطبيبات النفسيين لَمّا أَتَتها مريضة مُتعبة أرادت من يَحنوا عليها ويَرفُق بها لينصت لها ويُسمعها ما لم تستطع بَوحه لغيرها من الأشخاص العاديين، إلا أن الطبيبة جَعَلَتها مِهنة كالحدادة والنجارة، تحاول إصلاح نَفسٍ وتأخذ أجراً لقاء عمل يدر عليها المال الزهيد. وآثرت المادة
وتناست أنها إنسان فهي أسمى صنعة صَنَعها الخالق جل جلاله.
أَنّها خَليفة الله في أرضه.
وهكذا حالنا في أوطاننا، فكلما زِدتَ في سعر الكَشْفِية كلما أتاكَ المَرضى وبدأت الأصوات المادحة لإتقانك في عملك، وإن آثرت القلّة والإنسانية لن ترى من يدعمك بل ويحطمونك مرددين :"أنّكَ لَستَ ماهراً"
وحينما يأسَت من الإنسان قالت لها :"لا تأتيني بعد اليوم فحالتكِ هذه لا يرجى شفائها، فمالك وَفِّرِيه في جَيبِك"
لتَخرُج وتنتظر ما تبقى من أوراقها الذابلة كَيف تسقط واحدة تلو الأخرى، لا تُحرك ساكنة للتغيير، فقد أقنَعَتْها كلمات طَبيبتِها أَنّه مَيئوسٌ مِنها.
فَتَتَنَفَّث أنفاثها الأخيرة، منتظرة رَحمة خالقها.
لما هذه القَسوة أيها الطبيب، عليك أن تكون طبيباً للأرواح كَما الأجساد.!!!
فلما لا تكون كالأعمى الذي رد الله إليه بَصَره، فَحَفظ بَصيرته، وعلم أنَّ الدنيا إنَّما هي كلماتكَ تلك التي تلفظها أو تكتبها بينك وبين نفسك سطوراً وتخلد دواءً وشفاءً للبشرية جمعاء.


