الدكتور كريم فرمان
في عام ١٩٧٦م حطت فيروز ومعها الرحابنة ببغداد لتنشد لدار السلام بعيد ثورتها قصيدة:
بغداد والشعراء والصور
ذهب الزمان وضوعه العطر
يا الف ليلة يا مكملة
الأعراس يغسل وجهك القمر
بغداد هل مجد ورائعة
ما كان منك إليهما سفر .
فيروز الصوت الذي حمل إلى العرب اشعارا وكلمات والحانا عذبة، كانت محبة لبغداد حتى أنها ذكرت في لقاء صحفي قديم لها لقد امتلأت عيناي بالدموع وأنا نشدها وتمالكت أعصابي بقوة كي أكمل الأغنية لان بغداد لها في قلبي ووجدان كل العرب مساحة كبيرة من الزهو والفخر بحضارة وماضي .
أمتنا المجيدة نعم فيروز أنت الجمال والتاريخ وبغداد التي أسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في عام ٧٦٢م واتخاذها عاصمة لخلافته عاشت أبهى عصور المجد والحضارة .
وقال عنها الشافعي رحمه الله من لم يزر بغداد لم يرى الدنيا فهذه المدينة تعرضت لغزوات المغول والفرس والعثمانيين والانجليز والأمريكان لكنها بقيت صامدة رحل الغزاة وبقيت هي شاهدة على قوة جذورها في التاريخ.واسمها بغداد مشتق من اللغة الارامية باغ وتعني البستان وداد وتعني الحب وهي بمعنى بستان الحب ومن أبرز معالمها شارع المتنبي الشهير شارع الكتب والمكتبات والادباء .
وعودا لقصيدة فيروز الخالدة والتي كتبها منصور الرحباني ولحنها مع أخيه عاصي فقد قرأت قبل فترة مقالا فيه معلومات غير دقيقة أن الرئيس صدام حسين اعترض ع القصيدة وطلب إقحام أسمه أو غيره في القصيدة واعترض الرحباني قائلا : اننا كتبناها في بيروت وذكرت في العقد ولا يمكن اضافة عليها ؟
والحقيقة فهذا افتراء لا تخفى مقاصده فصدام وقتها اي في سنة ١٩٧٦م كان يشغل منصب نائبا للرئيس البكر ومن غير المنطقي أن يطلب ذلك والبكر سوف يحضر معه الحفل لكن الحقيقة هي وقد سألت لاحقا المقدم علي العبيدي مدير مكتب صدام حسين وقتها كان نائب الرئيس بأن محمد سعيد الصحاف وكان مديرا للإذاعة والتلفزيون قد زار مكتب صدام وسأله صدام عن موعد الحفلة وبرنامجها لان المقرر حضور رئيس الجمهورية ونائبه صدام للحفل فقال أن فيروز ستغني القصيدة مطلعها المذكور أعلاه فقال صدام للصحاف أنها قصيدة محايدة وكأنها كتبت عن كوبنهاغن أو ستوكهولم في السويد وليس عن بغداد عاصمة الدين والدنيا .
ويبدو أن الصحاف نقل تلك الملاحظة بمشاعرها للرحباني فتم إضافة الأبيات التالية لها لتكون :
أيام انت الفتح ملعبه
أنا يحط جناحه المطر
يا من يواجدني وينكرني
حذرا فإن طريقنا الحذر
بيني وبينك ليس من عتب
احببت تنكرني وتعتذر
عيناك يا بغداد اغنية
يغنى الوجود بها ويختصر
لم يذكر الأحرار في وطن
إلا واهليك العلى ذكروا
جاءت من لبنان من بلدا
لو عاكسته الريح تتكسر !!
وعندما انشدت البيت الأخير في الحفل بحضور البكر وصدام وحشد كبير في قاعة الخالد التي اشتق اسمها من اسم اخر قصر شيده ابو جعفر المنصور قبل وفاته نهض في الحفل الشاعر السوري الكبير خليل خوري ليهتف لفيروز بدلا من قولها أن عاكسته الريح تتكسر ؟ الاجمل أن لاعبته الريح ينكسر !!فاستحسنت فيروز ذلك وأعادت البيت كما قال الخوري.
فيروز العظيمة والجوهرة التي لن تتكرر قال عنها الموسيقار محمد عبد الوهاب حينما سأله مقدم برنامج لم لا تذكر فيروز مع أم كلثوم وفريد وعبد الحليم ووردة عندما سألتك عن الفن ؟ فأجابه انت سألتني عن أصوات البشر ولم تسألني عن صوت الملائكة!!
فيروز رفيقة الصباحات والصوت الذي يأخذك إلى ما وراء الحلم والتي قالت عنها غادة السمان من لا يستمع لفيروز مع انشقاق الجفن عن الجفن ولا يرتشف صوتها مع فنجان قهوته أو قدح الشاي فلا داعي لاستيقاضه من النوم .
وعن ذكريات رحلتها لبغداد قالت لصاحب مجلة الصياد اللبنانية سعيد فريحة أن المستمع العراقي ذواق ويستطيع التعبير عن عواطفه بصدق .
وأضافت لقد اشتريت عباءة من كربلاء وحلويات العراق الشهيرة (من السما ) وبعض البطانيات العراقية التي أعجبت بجودتها .
سلاما على فيروز الكبيرة وسلاما على ماض جميل غادرنا من دون رجعة ومثلما يقول عالم الإجتماع العراقي المعروف د.علي الوردي "نحن لا نتذكر الماضي لجماله وانما لقسوة الحاضر" .



1 comment
1 ping
فراس العزاوي
31/07/2018 at 4:48 م[3] Link to this comment
حقا بغداد الرشيد وكالة المجد الوليد تستحق الثناء وفيروز قامة فنية كبيرة حينما انشدت لدار السلام فهي تشعر أن أمامها يتراءى تاريخ خلافة وعظمة أمة في أبهى عصورها الم يهزاء هارون الرشيد من سحابة مرت ولم تمطر اذهبي حيثما شاء سياتيني هنا خروجك!!!
شكرا للاستاذ د.فرمان على هذا المقال الأكثر من راءع.