محمد الزحيمي
كثير من الناس (ممن زار الهند ) يعتريه الإستغراب وترتسم على وجهه السخرية حين يرى تلك الهآلة من القداسة التي يلقيها الهنود (البوذيين ) على بقرة بالشارع، ونحن كمسلمين نحمد الله تعالى على أن هدانا بفضله لدين الفطرة الذي حفظ للإنسان كرامته .
فقد وهب الله للإنسان عقلا ميزه على كل المخلوقات ، فبه ساد الأرض ومشى على القمر، إلا أن لهذا العقل عدو مبين متى حضر يصبح العقل نقمة لا نعمة.. ألا وهو الجهل..!
يُحكى ياسادة أن هنالك ملكاً أرسل حرسه ذات ليلة لإحضار أحد مستشاريه في ساعة متأخرة من الليل فلما جاؤوا بمستشاره وقد بان عليه الخوف والهلع ومثل بين يديه ، قال له الملك بصوت مرهق : اسمع ايها المستشار ، لقد اخترتك من بين كل مستشاري لمعرفتي التامة بانك أرجحهم عقلا وأشدّهم ذكاءآ فقال له المستشار وهو ينحني له اجلالا : الف شكر يا مولاي ، وسأكون إن شاء الله عند حسن ظنك .
قال له الملك بعد ان اتكأ على عرشه : أتعلم أنني لم أنم ليلتي هذه لأن هنالك سؤال يؤرقني ، وأريد منك إجابة عنه تستندها إلى دليل قاطع !
قال له المستشار سل يا مولاي سؤالك وسأجيبك عنه باذن الله، قال له الملك : قل لي أيهما أفضل الحظ أم القداسة ؟ أجاب المستشار بدون أي مقدمات : القداسة طبعاً يامولاي ! ضحك الملك وقال له : سأدحض رأيك بالدليل أو تثبت لي رأيك وبالدليل .
وافق المستشار.. خرجا في صباح اليوم التالي إلى أحد الأسواق ووقف الملك يتامل في وجوه رعيته حتى راى عتالا بائساً جداً ، فأمر الحرس بجلبه إلى القصر ، ثم أمر بأن يطعموه ويلبسوه الحرير ، ثم جعله وزيراً ، ثم أمر بإدخاله الى مجلسه ، فاندهش المستشار عندما رأى أن العتال أصبح وزيراً !!
فقال الملك للمستشار : أيهما أفضل الآن الحظ ام القداسة ؟ فأجاب المستشار وقال له أعطني فرصتي يامولاي لأثبت لك بأن رأيي الأصح !
خرج المستشار إلى السوق ووقف يتأمل ، وإذا به يرى حماراً هزيلا وسخاً ومنهكاً من التعب ، فاقترب منه وبدأ يتحسسه ويتلمسه ، والناس ينظرون إليه باستغراب حتى تجمهروا من حوله ، ثم قال بصوت عال ً: أيها الناس ، أتعلمون أن هذا الحمار طالما حمل على ظهره أحد أنبياء الله ، فقد ذُكر وصفه في الكتاب الفلاني نقلا عن فلان ابن فلان ، هذا الحمار من أهل الجنة .
وماهي الا لحظات حتى أصبح ظهر الحمار الأجرب مزارا ً، وملئت أذناه نذوراً ، وبدأ الناس يتبرّكون به ، فهذا يطعمه ، وذاك يغسل قدميه ، وتلك تأخذ شعرة منه لتتزوج ، وتلك تتمسّح به لتُرزق بطفل ، ثم أسكنوه في بيت نظيف ، وعينوا له خدما يقومون على اطعامه، وعساكر لحمايته ، وأصبح الحمار يسرح ويمرح في اي مكان ، ويأكل ويشرب من أي بيت يريد ، والكل يقدسه ويتبرك به ..!
ثم عاد المستشار إلى الملك وقال : الآن يا مولاي، أيهما افضل ؟ طأطأ الملك راسه، فابتسم المستشار وقال له : أتعلم يا مولاي مالفرق بين الحظ والقداسة ؟ قال الملك : لا . قل لي انت مالفرق؟ قال له المستشار : أنت يا مولاي ألبست هذا العتال ثوب العافية والمال والسلطة ، وهذا ثوبً زائل لأنك تستطيع سلبه اياه متى شيئت .
أما أنا فقد ألبست هذا الحمار ثوب القداسة ولعمري أن هذا الثوب لا يمكن أن يسلبه منه أحد ، حتى انت يا مولاي ! فلا تسخروا ممن البسوا ثورا بقرة القداسة أو نسرا أو حتى ذئبا .
فكم حماراً ألبسه الجهلة ثوب القداسة وأصبح يسرح ويمرح يدفع الأبن لقتل أمه وأبيه، أو يلبسهم مفاتيح الجنان ويلقي بهم في نحور إخوتهم.. لقد إنتشرت سلالة ذلك الحمار المقدس.. ومتى ماغيب العقل، وأينما وجد الجهلاء لهم مكانا ! فستجد إبنا من سلالة ذلك الحمار..!



2 comments
2 pings
لا يخطر ببال
18/06/2018 at 2:03 م[3] Link to this comment
يارجل يارجل يامبدع
ماهذا الابداع ان كنا فقدنا الزمن الجميل للفن والابداع في كل شي الا اننا نشاهد نجما ساطع يشق طريقه في سماء الادب والابداع
اسقاط رائع وتوظيف لقصة من الخيال مبدع
استمر على هذا الاسلوب الذي ابتدعته وابدعدت فيه , راهنت عليك وفي كل مرة تجعلني اكسب الرهان وقريبا ستجدني اتصل عليك لادعوك لمكانك الذي تستحق
ابوسلمان
18/06/2018 at 5:29 م[3] Link to this comment
سلمت يداك اصبت كبد الحقيقه هذا الثوب هو من اضاع الكثير من مجتمعنا ولا تستطيع حتى تناقش الناس عن الشخص المقدس ويتهموك بأنك جاهل او حاقد عليه