من عجائب زماننا هذا أن الأغلبية من الناس يتعايشون مع بعضهم وكأنهم في حفلة تنكرية يرتدون أقنعة ذات ألوان براقة وأشكال مختلفة بعضها جاذبة وأخرى مخيفة تخدع من يتعاملون مع هذه الأشكال وخاصة الجاذبة منها ؛ فألوانها تأسر الألباب وتخدع الأذكياء قبل البسطاء ؛ تختفي الحقائق المؤلمة تحتها لأن أكثر الذين يرتدون هذه الأقنعة من محترفي المناورة والمراغة بطبيعتهم ؛ فما أكثر الثعالب المخادعة التي تبدو في صور الحملان الوديعة أو تلك الحمامة التي دائماً ما ترمز للسلام ونشر الطمأنية والخير بين الناس ، وفي حقيقتها غراب قاتم السواد أو بومة رقطاء لا تبشر بخير وتدعو إلى النفور منها ؛ وإن شئت قل التشاؤم الذي يتنافى مع العقيدة الإسلامية ، وهم في ذلك ممن ينطبق بحقهم قول الشاعر:
يُعطِيْكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانٍ حَلاوةً
ويَرُوغُ مِنكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
ومن يذهب ضحية هذه الوجوه المقنعة هم البسطاء الطيبون أصحاب القلوب الصافية النقية من الشوائب والنوايا الحسنة ؛ الذين هم في الغالب لايكتشفون الحقيقة إلا بعد فوات الأوان وبعد أن تطير الطير بأرزاقها وتقع الفأس في الرأس ولات حين مناص .
أقول بعد أن يكتشفوا الخديعة تتضح لهم حقائق أخرى أنهم عرفوا حقيقة أنفسهم وأنهم فعلاً من أهل الخير والصلاح والضمائر الحية والنفوس المطمئنة والقلوب البيضاء ؛ فطوبى لهم ولا لوم عليهم فيما مضى إلا في حالة تكرار طيبتهم مع ذوي الأقنعة الملونة ؛ عندئذٍ يمكن للعقلاء أن يعاتبوهم لا لأنهم طيبون ولكن لأنهم لم يكتشفوا أنهم يعيشون حفلة تنكرية .
عطية جابر الثقفي


