الهروب المتكرر للمرضى من مستشفى الإرادة النفسية بجازان واصابتهم بكسور وإصابات أخرى جراء هذا الهروب المتكرر يثير تساؤلات مشروعة عن وجود خلل عظيم في المنظومة الصحية، وعن مستوى الرقابة وجودة الرعاية المقدّمة،والتي تستدعي تدخل عاجل وحازم من معالي وزير الصحة.
وعلى الرغم من تعدد العوامل المرتبطة بطبيعة المرض النفسي والإدمان، إلا أن تكرار هذه الحالات المتكررة من هروب للمرضى من المستشفى، يشير إلى وجود خلل وقصور كبير من قبل المشرفين على هذا المستشفى في بعض الجوانب التنظيمية أو العلاجية والتي تستدعي المراجعة من قبل المسؤولين في وزارة الصحة وفرع وزارة الصحة بجازان لو أدى ذلك لمحاسبة كل من لهم دور في هذا الهروب المتكرر.
فالمريض في هذه المرحلة يحتاج إلى بيئة آمنة وداعمة، وتوازن بين الحماية والرعاية الإنسانية، وتعزز التزامه بالخطة العلاجية. وعندما يتكرر الهروب، فإن ذلك يفرض ضرورة تقييم الإجراءات المتبعة، وتحسين آليات المتابعة، ورفع كفاءة الكوادر، بما يضمن تقليل هذه الحالات المتكررة، فالمسؤولية هنا تكاملية، تبدأ من الإدارة ولا تنتهي عند الفريق العلاجي، وكذلك السعي نحو تطوير الأداء وتحقيق أعلى معايير السلامة والرعاية للمريض.
فالهروب المتكرر للمرضى من مستشفى الإرادة النفسية بجازان ليس مجرد حادث عرضي، بل هو مؤشر عميق على وجود إهمال، وتحديات مركبة في التعامل مع المرضى داخل المستشفى، كما أن هذه الظاهرة المتكررة تطرح تساؤلات حول فعالية بيئة العلاج، واستجابة البرامج التأهيلية للمرضى ومدى توافقها مع احتياجات المرضى.
ومن المعروف في بيئة مثل مستشفيات الصحة النفسية، يشعر بعض المرضى بفقدان السيطرة على حياتهم. والقيود المفروضة، حتى وإن كانت لأهداف علاجية، قد تُفسَّر من قبل المريض كنوع من السجن، خاصة إذا لم تُصاحبها برامج تأهيلية تفاعلية تُشعره بالتحسن والاحتواء. وعندما تتزامن هذه المشاعر مع أعراض انسحاب مؤلمة، يصبح الهروب في نظر المريض “حلًا سريعًا” للهروب من الألم النفسي والجسدي
من جانب آخر، قد تعكس حالات الهروب المتكررة فجوة في النظام العلاجي فضعف التواصل بين المريض والطاقم الطبي، أو غياب الخطط الفردية المصممة لكل حالة، أو حتى نقص الأنشطة اليومية، كلها عوامل قد تُفقد المريض شعوره بقيمة بقائه داخل المنشأة. فالعلاج الفعّال لا يقوم فقط على الأدوية، بل على بناء علاقة إنسانية قائمة على الثقة والاحترام.
والحل لا يكمن في تشديد الحراسة فقط، بل في معرفة أسباب هذا الهروب المتكرر من المستشفى والتي كان آخرها منذ مايقارب الأسبوعين، إضافة إلى إعادة التفكير في فلسفة العلاج والتي يجب أن يتحول المستشفى من مكان احتجاز إلى بيئة تعافي حقيقية. وبيئة يشعر فيها المريض بالأمان، لا بالتهديد، وبالأمل لا باليأس. وهذا يتطلب تطوير برامج علاجية شاملة، كادعمًا نفسيًا مكثفًا، وإشراك الأسرة، وتدريب الكوادر على التعامل الإنساني العميق مع المرضى.
في الختام نقول أن هذا الهروب المتكرر ربما يكون رسالة غير مباشرة من المريض تقول “هذا المكان لا يساعدني بما يكفي "لأبقى" حيث أن المريض لايحتاج فقط إلى منع الهروب، بل إلى سبب قوي يدفعه للبقاء.
ودمتم سالمين


