العنود سعيد
كُنت أحدث نفسي طويلًا ليتني أجد الوقت الكافي لإنجاز عملا أجلته زمنًا (روايتي) التي كلما هممت بالبدء في فصولها زحمني الوقت وقطع خلوتي وكأني في صراع وعِناد معه ، يساورني شعور دائم بالضرورة لإنهاء تلك الرواية فقلت لعل هذه الأيام تكون الأنسب في البدء بها، الجميع مُلتفون حول بعضهم البعض يتحدثون ويتسامرون ويمارسون هوايتهم وتمضي جُل أوقاتهم في متابعة اخبار كورونا التي خطفت الأضواء من أحداث العالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية فأصبحا هذا الوباء محور حديث العالم برمته.
هل فعلاً لا نشعر بقيمه الأشياء إلاّ عندما نفقدها ؟
سؤال يحتاج اليوم منا للإجابة عليه بصراحة تامة، قبل حلول هذه الأيام الثقال كنا نعيش روتيننا اليومي المعتاد نشعر معه برتابة الوقت ومع كل نسمة صباح يبدأ ضجيج الحياة و تبدأ عجلة الحياة بالدوران دون توقف ،يذهب الجميع لأعمالهم المعلم والطالب في مدرسته والمدير في مؤسسته و التاجر في متجره ،أكاد أجزم بأن الجميع لم يدرك لذه ابسط تلك الأشياء إلا بعد هذا الحجر الصحي، هل لأننا اعتدنا على وجود تلك النعم فأصبحنا لاندرك أهميتها ؟!! ام ماذا ؟
لقد حل كورونا على العالم ضيف غير مرحب به فغير في نفوسنا مفاهيم لم نكن نعي أهميتها في حياتنا اليومية قبل ذلك!!
الصلوات التي كانت تقام في المساجد اصبحت تصلى اليوم في البيوت وتلك من اقسى القرارات على قلوبنا لولا استشعرنا بالحكمة من منعها !!
المدارس والجامعات اغلقت ابوابها أمام طلابها!!
فأصبحوا يتلقون الدروس والمحاضرات بعيداً عن أعين أساتذتهم الحريصين على التفاني في إيصال المعلومة لهم، الأسواق والمجمعات وأماكن الترفيه والبنوك هي الأخرى أيضًا أقفلت!!
وبقي الناس حبيسي منازلهم أمام شاشات التلفاز يتمنون العودة لروتينهم القاتل ينتظرون إعلان يبدد مخاوفهم لإيجاد خلاص من هذا الوباء.
لعل مقوله “مصائب قوم عند قوم فوائد”حاضرة بقوة هذه الأيام في تنافس الدول الكبرى للبحث و الدراسة في الوصول للقاح يُخلص البشرية من هذا الوباء الخبيث ويدرّ عليهم من الأرباح الشئ الكثير والكثير .
طوال تلك السنوات الماضية لم نستشعر أهمية العمل والحركة الا خلال هذه الأيام فالغالبية منا دائمون التذمر من طريقة حياتهم وأعمالهم اليومية ،الوقوف أمام إشارات المرور ،الذهاب بالأبناء للمدارس ،التبضع مع الأهل ،المجاملة في المناسبات الاجتماعية جميعها كانت تؤدّى دون استشعر بأهميتها .
ها نحن اليوم نعيش فراغاً و وهدوءً كبير نحاول معه البحث عن أي وسيله تسلية لانفسنا وأبناءنا في المنزل، ولعل مِن المحَن تأتي المنَح رغم أن فيروس “كوفيد 19” اصاب الناس بالذعر وألزمهم البقاء في منازلهم لكنه أعاد بقوة مكانة الأسرة الاجتماعية التي سرقتها الحياة العصرية منا، وخفف من مشكلة الزحام الخانق لشوارع المدن التي أصبحت شبه خاليه، استطعت أيضا العديد من الأسر التعامل مع هذه الأزمة الاقتصادية بكل أريحيه في ضبط ميزانيتها التي طالما كانت طائره في الهواء .
في هذه المحنه العصيبة برزت مواقف الحكومات في التعامل مع تلك الأزمة بإيجابية وصدق فكانت يد المملكة ممدودة بالعطاءوالمحبة لأبناءها وكل من يقاسمها العيش على هذه الأرض الطاهرة لتثبت قدرتها على إدارة هذه الأزمة والتعامل معها بمسئولية فسخرت كافه الإمكانات المادية والكوادر الطبية و وضعت الأستراتيجيات الحاسمة للحيلولة دون اتساع هذه الدائرة وساندت شركات القطاع الخاص لتتغلب على هذا الركود العالمي وعزلت المسافرين القادمين من جهة الوباء، جميع الدول اتخذت نفس التدابير لمحاوله الخروج بأقل الخسائر البشرية من هذه الجائحة العالمية.
لعل من جوانب هذه الأزمة المظلمة تتضح ثقافة الشعوب في التعامل مع هذا الوضع الراهن واتخاذ زمام المبادرة والتصرف بمسئولية و وعي في الالتزام بالتعليمات التي تصدرها وزارة الصحة لنتخطى بأمان دائرة الخطر فنحن نسير بمركب واحد للنجاة .
فهل أنا أيضا أتمكن من الكتابة في هذه الفترة التي تهاجمني فيها صور تحتل ذاكرتي مشحونه بقلق و
هدوء قاتل؟ لكن ينبغي علي التخلص منها.
دمتم بحفظ ورعاية المولى.
بقلم / العنود سعيد

