في عَام 1377 م شَهِدَ الْعَالِمُ الإِسْلاَمِيِّ مِيلاَد أَكْبَر مَوْسُوعَة بِالْعُلُوم الْإِنْسَانِيَّة مُتَكَامِلَةٌ تَضَع تجاربها تَحْت مُسَمَّى عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ ، ومندظهور الْعَبْقَرِيّ الْعَرَبِيِّ إلَى حَدِّ الْيَوْم نَتَعَلَّم مِن تجاربه ونظرياته اللتي اخصعت كُلِّ شَيِّ بِحَيَاة الْأُمَّة لِلدِّرَاسَة وَالتَّحْلِيل ، فَهُوَ أَوَّلُ نَقَض كِتَابِه التَّارِيخ للدول والعظماء السَّابِقَيْنِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ وَأَنَّهَا كُتِبَت بايادي النافذين الْأَقْوِيَاء ، فَهَذَا الْعَلَّامَة الْعَرَبِيّ الْمُسْلِمُ الَّذِي خَرَجَ كِتَابِه بِالْكَثِيرِ مِنْ دورس وَعَبَّر نَحْن كعرب أَوَّلُ مَنْ تَجَاهَل عِلْمِه رَغِم أَنَّنَا أَحْوَجَ مِنْ نَكُون لَهُ الْيَوْمَ وَنَحْن نُشَاهِد حَالَةٍ مِنْ التَّرَدِّي بِالْفِكْر ونهرول للغرب كَأَنَّهُ هُوَ الْمُلْجَأ الْوَحِيد لَنَا ، وَرُبَّمَا نَسِينَا إِنَّهُمْ هُمُ مِنْ خَطْفِ أفْكَار الْعَلَّامَة الْمُمَيِّز ولازال وَأَصْبَح عِنْدَهُمْ مَحَلُّ اعْتِبَارِ بِالسِّيَاسَة وَالِاقْتِصَاد وَالثَّقَافَة ، بِالرَّغْم بَعْدَ مُضِيِّ فَوْق سِتَّة مِائَةِ سَنَةٍ عَلَى خُرُوجِهِ لِلْوُجُود ، فالعلامة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنُ خَلْدُون هُوَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَة الشَّهِيرَة كِتَاب الْعِبَر ، الَّذِي كَانَ الْمُلْهَم الْأَوَّل لِخُرُوج مايسمى الْيَوْم بِعِلْم الِاجْتِمَاع الَّذِي خَرَجَ عَلَى يَدِ الْعَالِمِ الفَرَنْسِيّ أوْجَسَت كُونْت ، وَخُرُوج مايسمى أَيْضًا بِعِلْم الأنثروبولوجيا أَيْ عَلِمَ الْإِنْسَانِ الَّذِي طَبَقَة عَلَيْنَا الْغَرْب قَبْل اِسْتِعْمارٌ اوطاننا وَأَرْسَل لَنَا جُنُودُه وَكِتَابَة تَحْت مُسَمَّى رِحَالِه مستشرقين ، تَرَصَّد حَيَاتِنَا وَنِقَاط قُوَّتَنَا وَضَعْفَنَا وَكَيْف نَأْكُل وَنَشْرَب ومايفرقنا ومايجمعنا ووو ، أَنَّ هَذَا الْعَبْقَرِيّ أَكْثَر الْعُلُوم الْيَوْم اللَّيّ بَيْنَ أَيْدِينَا تُحَاكِي تَجْرِبَتُه وَلَا تَذَكُّرَ فَضْلِه ، فَابْن خَلْدُون هُوَ أَوَّلُ مَنْ لَهُ السَّبْق عَن دِرَاسَة التفاعلات الاِجْتِمَاعِيَّةِ بَيْنَ مُكَوَّنَات الْمُجْتَمَعات و كَيْف تَبْدَأ الدُّوَل وَكَيْف تَنْتَهِي ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ إنْ الدُّوَلَ تَمْر بِمَرَاحِل مَثَلُ الْإِنْسَانِ وماهي عَلَامَةٌ الْقُوَّة و الشَّيْخُوخَة بِهَا ، وَحَتَّى أَمْزِجَة الشُّعُوب لَم يُهْمِلُهَا وَمَتَى تَكُون رَاضِيَة وَمَتَى تَكُون سَاخِطَةٌ ، وَإِنْ كَانَ هناك مِن الْبَاحِثِين والدراسين اُتُّهِم ابْن خَلْدُون رَحِمَهُ اللَّهُ بالعنصرية أَو التَّحَامُلِ عَلَى فئات مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمُجْتَمَعات واتهمها بالوحشية أَوْ نَحْوِهِ ، وَرُبَّمَا يُفْهَمُ هَذَا يُبَرِّر بِسُقُوطِ بَعْضِ الْمَمَالِك بِالْمَغْرِبِ العَرَبِيِّ لَكِنْ ابْنَ خَلْدُون لَمْ يُخْطِئْ عِنْدَمَا نُقِلَ لَنَا الْوَاقِع بِكُلّ حِيادٌ ، وَعُمُومًا أَيًّا كَانَتْ الْآرَاء هَذَا الشّي لايعطينا الْحَقّ بِإِنْكَار جُهُودَه بِعِلْم الْمَعْرِفَة وَكُلّ مَدَارِس عِلْمَ الاجْتِمَاعِ اعْتَرَفَت بِفَصْلِه واعتبرته أَنَّه المؤسس الْأَوَّلَ لِعِلْمِ الِاجْتِمَاع وَفَتْحِ الْعَيْنِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ عَلَى دِراسَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ وطبيعتهم وَمَتَى تَتَكَوَّن عِنْدَهُم الْعَصَبَة وَمَتَى يفقدونها ، رَحِمَ اللَّهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ خَلْدُون وسيظل عِلْمِه عَلَامَةٌ بَارِزَة بِتَارِيخ الْعَرَب ، ويكفينا مِنْ الْعَالِمِ شَرَفًا أَوَّلُ مَنْ نَبَّهَ عَالِمِنَا بِالتَّوَجُّهِ إلَى الصِّنَاعَةِ فَهِي الْأَمَان وَالِاسْتِقْرَار لِلشُّعُوب ، ومانحن فِيهِ الْيَوْمَ مِنْ اعتمادنا عَلَى غَيْرِنَا حَتَّى بِمَا نستر بِه عورتنا إلَّا أَنَّنَا أَهْمَلْنَا عِلْمِه خَلْفَ ظُهُورِنَا .
عايد عيد المحمدي


