في حياة كلّ أمة أيام تعتز بها وتتذكرها دائمًا وتعلّمها لأبنائها، فيعرفون ماضيهم ويفهمون حاضرهم ويصنعون من دروسها مستقبلهم قال تعالى (وذكّرهم بأيام الله).
ومن أعظم أيام الله ونعمه على أهل الإسلام يوم بدر, الذي وقعت فيه أهم وأعظم الغزوات في فجر الإسلام بقيادة النبي صلى الله عليه وسىلم غزوة بدر (وتُسمى أيضاً بـ غزوة بدر الكبرى وبدر القتال ويوم الفرقان) وقعت في مثل هذا اليوم السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة النبوية الكريمة.
كم أسفت لخلو وسائل التواصل الإجتماعي اليوم من إعلانات الندوات عن بعد التي طالما زخرة بومضات فلاشاتها -السوشيال مديا- يتنافس فيها من علم ومن جهل, فظهر , كثيرمن المترززين, والمتميلحين, والمتشدقين, وقلة ممن عندهم منفعة ترتجى !!
اليوم كان أولى للحديث عن اعظم أيام أمة الأسلام , وازكى لهيب الفخر في قلوب هذا الجيل من أبنائنا عبر دروس أعظم معركة في تاريخ الأمة الإسلامية.
زادني ألم مسارعت الكثيرين للمشاركة في "وسم" اليوم العالمي للطيور المهاجرة !! الذي يصادف اليوم ١۷ رمضان ۰
إن غزوة بدر ليست مجرد معركة حربية إلتقى فيها جيشان احدمهما مدجج بالسلاح ويفوق الاخر -شبه الأعزل- بقرابة الثلاثة أضعاف !!
بل تُعدّ غزوة بدر من أهمّ الغزوات التي خاضها النبيّ، وفيها الكثير من العِبر والدروس, ووثق القرآن الكريم احداثها, كان فيها الكثير من التشريع والكثير من اخلاق النبوة , والعديد من اساليب القيادة النبوية, لذا إستحقت غزوةَ بدرٍ أن تكون مصدرَ فخرٍ لهذه الأمة ولتاريخها.
هذه الغزوة بها الكثير الدروس التي تستحق أن نتوقف معها, فهي ليست كأي دروس !! إنها دروس ربانية, تولى تطبيقها وتعليمها خير معلم نبينا محمد صل الله عليه وسلم , ولن يسعفني هذا المقال في حصرها, لكننا سنتناول بعضا من تلك الدروس التي أسست لها غزوة بدر الكبرى , مثلما كانت تأسيسا لدولة الإسلام.
أول هذه الدروس واعظمها كان قبل أن تبدأ المعركة وهو ترسيخ مبدأ:
١- الشورى:
على الرغم من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوحى إليه من السماء، إلا إنه أراد أن يعلم الأمة أن الخير كل الخير في الشورى وفي رأي الجماعة، ولذلك استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في هذه الغزوة أربع مرات!!
المرة الأولى عندما إستشارهم في مهاجمة القافلة، والمرة الثانية إستشارهم في قرار المواجهة عندما أعلنت قريش الحرب على المسلمين، والمرة الثالثة عندما إستشارهم في موضع القتال، وكلنا يعرف موقف الحباب بن المنذر وآبار بدر، أما الموقف الرابع فهو أخذ الشورى في أمر الأسرى.
أربع مرات في هذه الغزوة العظيمة يطبق النبي -صل الله عليه وسلم- الشورى بين أصحابه مع مقدرته على حسم كل هذه الأمور دون شورى، ولكنه أراد أن يعلم الأمة أهمية الشورى ولزوم أمر الجماعة.
٢- الأخذ بالأسباب
علمت معركة بدر الكبرى الأمة أهمية الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله فقد أعدّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الجيش إعداداً جيداً واستغل الإمكانات المتاحة ووضع الخطط المحكمة واتخذ المواقع المناسبة وحدد قادة المعركة ومن يخرجون للمبارزة ثم بعد ذلك أحسن التوكل على ربه فكانت المكافأة بالنصر العظيم.
۳- الاستعانة بالله:
بعد أن أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بأسباب النصر إخذ يتذلل ويبتهل إلى ربه، يستجلب منه النصر ويطلب منه العون، فوقف عليه الصلاة والسلم-طوال المعركة يتذلل لله رافعا يديه الشريفتين للسماء حتى بان أبطيه وهو يقول: اللهم إن تهزم هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم، ويستمر ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه فيأتيه الصدّيق ويقول له: يا رسول الله، هوّن عليك ألم يعدك ربك بالنصر، ولكنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يُعلم المسلمين أن النصر بيد الله وحده وهو ناصرهم وليس غيره ,فسبحانه قال "إن ينصركم الله فلا غالب لكم".
۳- رابط العقيدة:
جسدت هذه الغزوة العظيمة، مفهوم الروابط بين ألموحد والمشرك ! فلا يمكن أن يبقى بينهما رابط إذا إنقطع رابط التوحيد, الذي بينه الله عز وجل لكل الأمم والرسل, فرابط الأبوة يسقط أمام رابط العقيدة , وروابط الدم , الأخ, الأبن... الزوجة العشيرة !!
قال تعالى في سورة هود (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملا غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين) فكانت غزوة بدر تجسيد من قبل وتأكيدا من بعد لهذه المبدأ في الروابط !
فهذا الصدّيق -رضي الله عنه- يبحث عن ابنه الكافر ليقتله , وهذا مصعب بن عمير، سفير الإسلام، يرى أخاه الكافر أسيراً في يد المسلم، فيقول للمسلم: اشدد عليه وثاقه، فله أم كثيرة المال، وهذا امين الأمة ابوعبيدة الجراح يلتقي اباه في المعركة, فينصرف عنه إلا أن اباه أصر على إعتراضه فنازله وقتله !
وكذلك عمر, وعلي وغيرهم من الصحابة الكرام أعطوا درسا عظيما للأمة أنه لا عصبية إلا لدين الله الإسلام.
هذه بعضا من وقفات غزوة بدر الكبرى مما سمحت لنا به هذه المساحة, تذكيرا لهذا اليوم العظيم في تاريخ أمتنا الإسلامية.


