كعادة أبوحمدان ما إن يسمع واسيلاه
إلاويلتقط مِسْحَاتِه(المِقْبَلة) ويتجه صوب بلاده الزراعية عَجِلاً ليقوم بنفسه بسقياها .
ولأن قدوم السيل تلك الليلة كان في هزيع الليل الأخيروظلام الليل لازال حالك السواد لم ينتبه أبو حمدان وهويتخطى (زُهُوب* )جيرانه في طريقه نحو( العقيمة*) فزلّت به القدم ووقع في لجة الماء ولسوءحظه لدغته عقرب وهويجاهد نفسه ليرقى(زبير*) العقيمة.
تمكنت منه العقرب وسرى سُّمها في دمه ولم يكن أحد بجانبه واستلقى بجسده على سطح الزبير يتلوى من شدة الألم.
تعرق جسمه واشتدت حرارته وأحس بدوار شديد وأخذ يصيح منادياً: (حمدان ..حمدان..موت.. وأنا أبوك.. موت).
سمع صراخه جار له قادم للتو فهرع نحوه وحمله نحو القرية وهو لايفتر عن ترديد حمدان ..ياحمدان..موت.. وأنا أبوك.
ولم يَدرِ الجار عن كنه تلك العبارة
فقد استولت عليه فكرة خِتان ابنه حمدان في ( المَرْسَم*) ونذر نفسه لتحقيقها .
وجاره يحاول التخفيف عنه حتى وصوله به لمنزله ثم قام الجار بِلَفْ رجله الملدوغة بحبل وشَدِّه وأخذ سكينته من حِزامه وشقّ جلده مكان اللدغة ثم ضغط علي رجله ليفرغ منها الدم المسموم.
زادت حرارة جسم أبي حمدان ولم يعد كلامه معروفاً لجاره وابنه حمدان الذي انكفأ باكياً علي صدره حتى شروق الشمس.
هدّأَ الجار حمدان وطمأنه بأن والده سيكون بخير وانصرف.
وعند طلوع الشمس غادرت جسم أبي حمدان الحرارة تدريجياً وبدأ يعي مَنْ حوله.
ثم جاء جاره مطمئناً عليه وقد أحضر معه دلة ساخنة تفوح منها رائحة الزنحبيل فتناولا القهوة وشكر أبو حمدان جاره الطيب على صنيعه.
وابو حمدان منذ أن رُزق بابنه الوحيد " حمدان" وهو ينتظر تلك الفرصة الفرائحية الكبرى بفارغ الصبر التي أخذ على عاتقه الاستعداد لها وجمع مايستطيعه مالياً ومادياً بشأنها لإدراكه حجم التكلفة الكبير لإقامتها " لختان حمدان" ابنه الوحيد الذي جاءت ولادته ولادة متعسرة فارقت أمه الحياة على إثرها.
وظل طيلة خمسة عشر عاماً يجمع جهده وعرق جبينه وكل مايمكن من أجل أن يجعل السهل والجبل تتناقل خبر " ثَلْبَة*حمدان" في طول تهامة وعرضها..!
وكل عام مرّ منها يراه " أبو حمدان" بطيئاً وثقيلاً لم يكن فيه يسند لحمدان بعضاً من أعماله الشاقة ويتحاشى الاستعانه به في زراعته ورعي مواشيه بل كان يخشى عليه حتى من الشوكة أن يشاكها ويرقب مشاركته لأقرانه ألعابهم عن قرب خشية تعرضه لمكروه.!
وكثيراً ماتدخل لنصرته ضد من يختلف معه أو يتعارك .!
لقد استطاع أن يجمع الكثيرمن المعز والضأن وذلولاً أشعلاً للمناسبة وأن يكدِّس الكثير من محصول الذرة والدخن والسمسم والأعلاف ووفّر مبالغ جيدة من "ريال الفرانسة* " في "حُسْكِله* " الذي يُخبئه في "صَحّارته* "ولا يفارقه مفتاح قفلها..!!
ولكن كان على أبي حمدان ان ينتظر حصاد غلة بلاده بعد ثمانين يوماً من بذرها التي أسهم جاره في سقياها حينما عاد به ملدوغاً ولم ينس أن يتدارك سقياها ضحى ذلك اليوم.!
فشرع أبو حمدان في الاتفاق مع (فرقة المزالفة*) وشاعرالعزاوي المشهور ومع الجزارين والطباخين وذهب بولده حمدان لخياط القرية لكي يخيط له ملابس هود الختان بعد أن أرسل في طلبها من سوق البدو في جدة ومن الدريهمي باليمن.!
تمكن قائد فرقة المزالفة الشهير من تدريب حمدان على إتقان رقصة الختان (الثلبة*) في ثلاثة أيام فقدكان يمرِّن حمدان في (هيجة الوادي*) كل صباح ويقسو عليه حتى أتقنها..!
استمر هود حمدان قرابة تسعة وعشرين يوماً أنفق فيها والده اكثر ماجمعه من مال (وحلال*) في إكرام حضور ثلبة حمدان في كل ليلة. !
وكان حمدان في كل ليلة يُمتِع الحاضرين برقصاته على وقع دقات الأزلاف وعزاوي المدايح في والده وأخواله وأعمامه والقبيلة وشيخها وصوت الرصاص المدوي من والده وأقاربه .
وجأءت ليلة( السمرة*) وهي آخرليلة في الشهر
وكان عدد الحضور كبيرجداً وبعد تناول العشاء
تزيّن حمدان بصديرية من الحرير وعليها حزام مذهب ولبس دكتين باللونين الأصفر و الأخصر وتحتهما سروال طويل ابيض اللون مضموماً عند كعبي رجليه وعلى وسطه جوفية ذهبية فأضافت على شكله جمالاً آخاذاً بجمته على منكبيه .
وبدخوله راكباً ذلوله قام الحاضرون جميعاً مبهورين بطلّته وزاد الهتاف والتصفيق والغطاريف بعد أن أخذ جولة دائرية مستعرضاً مهارته واستعداده لإثبات رجولته ليوم ختانه غداً .
أصاخ الحاضرون السمع لكلمات شاعر العزاوي المشهور بصوت المطرق " فينان"وهو يتغزل في الصُفر والخضر بقوله في (المحراف*) الأول:
لاجَالكُم ياامصفرِ_راح عقلي وضاع الفكرِ
والنظر في داجيَ الحاجبينا
ذقت سُم الهجر_كل ليلة نوينا نسري
والتهمنا ولْعَة العاشقينا..!
قلبي مع اصحاب الهوى مجهودفي كل حين..!
وفي المحراف الثاني يقول:
بالله شوفوا أمخضرِ_ عذبوني ودمعي يجري..
والنظرفي حب مِقدي أم لوية
في العصريتنشر
يخلط ام صندلي والعنبر
عزّهُ الله بالخلوق الرضية...!
وفي خضم الانتشاء والسعادة على وجه أبي حمدان والحضور الكبير وليلة السمرة توشك على النهاية ولم يبق إلا رقصة حمدان الأخيرة.
أحب حمدان بالاتفاق مع قائد فرقة المزالفة (مسعود) أن يأتي حمدان في آخر رقصته بحركة بهلوانية كان قد تدرب عليها ليخلِّد هوده بها وتَعْلَق في أذهان الحاضرين.
وبينما هو يَهُم بتنفيذها وكان من بين الحضور(عيّان القرية*)_ الذي ترتعد فرائص أهل القرية عند رؤيته_ وبعد أن رأي حمدان يقفز عالياً ليتم رقصته صاح على الفور(أكبر عليك يابو فلاح*)..!
فاختل توازن حمدان وهوى على الأرض مغشياً عليه دون حراك فتدافع الحضور عليه وحملوه لمنزله.
وتبين أنه قد فارق الحياة ووالده ينتحب ويضرب بيديه على صدره صارخاً..مات حمدان..مات حمدان ..بينما استل عيّان القرية نفسه من ببن الجموع واختفى في ظلام الليل الدامس،،،،!!
النهاية
* زُهُوب..جمع زَهْب وهو قطعة ارض طينية زراعية مساحتها مايقارب من 50×50 متراً مربعاً
*العَقِيمة: مؤنث عَقْم وهي عقم طيني صغير تأتي بعد العقم الكبير تُعمل لتوجيه السيل نحو بلاد زراعية معينة.!
* الزبِيْر: هوأحد علامات الزهب وحدوده من نفس طين الزهب.ومن الجهات الأربع
* المَرْسَم: مكان ختان الصبيان.
*الريال الفرانسة: عملة معدنية دائرية من الفضة نمساوية الصنع عليها صورة (مارياتيريزيا) كان يُتعامل بها قبل سك النقود السعودية
* المَزالِفة: مجموعة أفراد يمتهنون قرع الطبول في الافراح.
* الثلْبَة: هي طريقة تزيين الصبي استعدادا للختان وقيامه بالرقص في الميدان أمام الجمهور ويطلق على الصبي ثلاب.
*الحُسْكل: يصنع من الجلد وهو بمثابة حقيبة لحفظ النقود ويشبه للقربة الصغيرة ولكن يحمل على الكتف متدلياً على الجوف على يمين الخاصرة أو شمالها
*الصحّارة: صندوق خشبي تحفظ فيه أغراض الأسرة الثمينة
* هيجة الوادي: هي الغابة
*الحَلال : تطلق على مايملكه الشخص من المواشي.
*السمْرة : هي الليلة التي تسبق ليلة الختان
*المِحْراف: بدع القصيدة الشعبية في العزاوي ويكون في الغزل والمديح.
*عيّان القرية : هو الرجل الحاسد الذي يتلفظ بألفاظ فيها شديدالحسد وكأنها تخرج من لسان شيطان وجميع سكان القرية يخشون مقابلته.
*أبو فلاح : هو نوع من أنوع الصقور يتميز بشدة الانقضاض على صيْدِه
ماتقدم من هذه التعريفات هي الفاظ من اللهجة التهامية الماتعة.
قصة قصيرة من التراث التهامي


